“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الرابع

بحث تاريخي سياسي مفصل عن قضية الصحراء المغربية

لقراءة الأجزاء السابقة من البحث:

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الأول

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الثاني

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الثالث


أمام هذه التطورات الحاصلة، تقدمت اللجنة التي انبثقت عن مؤتمر رؤساء الدول والحكومات بمقترح الاستفتاء لتقرير مسار سكان الأقاليم الجنوبية من خلال الحفاظ على الوضع الراهن؛ أي إدارة الأقاليم الجنوبية وفق التنظيم الإداري المغربي دون الانفصال عنه، أو الاستقلال عن المغرب بشكل كلي -38- وقد تم رفع هذا المقترح إلى مؤتمر القمة الإفريقية المنعقدة في (مونروفيا) “ليبيريا” 1979 التي صادقت عليه بأغلبية 33 صوت -39- استتبع هذه المصادقة معارضة المغرب لهذا المقترح والقرار، خاصة بعدما وقع اتفاق غشت 1979 بين الجزائر وموريتانيا والبوليساريو، انسحبت على إثره موريتانيا من إقليم وادي الذهب، وقام المغرب باسترجاعه وبيعة سكانه للملك يوم 15 غشت 1979 -40- هكذا أعطى هذا المقترح المزيد من الأمل للجبهة “البوليساريو” بغية تحقيق هدفها الأسمى المتمثل في قيام الجمهورية الصحراوية بدعم من الجزائر وليبيا وبعض الدول الإفريقية، استمرت هذه الفترة في البحث عن إمكانية حل للنزاع، لكن تعنت الجزائر واستمرارها في دعم الجبهة وعرقلة المفاوضات آلت إلى نفق مسدود، حيث لم يكن أمام هذه العوامل إلا التمهيد نحو الاعتراف بالجبهة، إذ خلال الدورة الثامنة والثلاثين لوزراء خارجية الدول الإفريقية المنعقد بأديس أبابا 22 فبراير1982 والخاص بالبحث في الشؤون الإدارية والمالية، اتخذ الأمين العام الإداري لمنظمة الوحدة الإفريقية قرارا يفضي بقبول انضمام ما يسمى بالجمهورية الصحراوية إلى حظيرة المنظمة الإفريقية، الشيء الذي أثار جدلا واسعا حول شرعية هذا القرار الذي خرق مقتضيات ميثاق المنظمة إضافة إلى طابعه الفجائي -41-.
ساهم انضمام “الجمهورية العربية الصحراوية” إلى منظمة الوحدة الإفريقية في تأزيم الوضعية وليس التقليل أو الحد منها، ولا أدل على ذلك المسار الذي اتخذته القضية فيما بعد -42- ففي هذا الصدد وجه الملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 23 فبراير 1982 رسالة احتجاج إلى الرئيس الكيني “أراب موي” بوصفه رئيس منظمة الوحدة الإفريقية على القرار الذي أقدم عليه الأمين العام الإداري للمنظمة والقاضي بالسماح للجمهورية الصحراوية المزعومة بحضور أشغال المجلس الوزاري للمنظمة الإفريقية في دورته الثامنة والثلاثين -43- كما وجه رسالة احتجاج أخرى إلى الأمين العام الإداري للمنظمة “آدم كودجو” جاء فيها أن هذا القرار، وهو يتجاهل كل مقتضيات ميثاق المنظمة، يجسد خرقا سافرا في الشكل و المضمون لجميع القواعد التي قامت عليها المنظمة الإفريقية، وعليه فإنه قرار لاغ ولا يمكن بأية حال أن يكون له أي مفعول بالنسبة إلى أعضاء منظمة الوحدة الإفريقية -44-، فبعد الأخذ والرد الذي عرفته ردود الأفعال و أمام تعنت المنظمة، قرر المغرب الانسحاب من المنظمة في مؤتمر القمة العشرين الذي انعقد بأديس أبابا في 12 نونبر 1984.
تبعا لهذا المسار فإن نزاع الصحراء المغربية، عد من النزاعات التي عرفت تطورا استثنائيا داخل منظمة الوحدة الإفريقية، بل وأدت إلى انقسام خطير كاد أن يؤدي إلى فقدان مصداقيتها، فالمنظمة التي كانت إلى حدود سنة 1975 تطالب بتحرير الإقليم من الاستعمار الإسباني وتخوض معركة موحدة في سبيل تحقيق هذا الهدف، أصبحت منذ توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية مدعوة إلى الفصل في النزاع -45- كما سبق التطرق إليه، مما أدى إلى خلق محاور لتحالفات جديدة داخل المنظمة، وظهور تناقض واضح في تطبيق بعض المبادئ التي تبنتها منذ إنشائها، مثل مبادئ حق تقرير المصير والوحدة الترابية وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار -46-.
يبقى في هذا الصدد الإقرار بأن كل الجهود التي بذلتها المنظمة للبحث عن حل لتسوية مشكل الصحراء توجت بالفشل، فأمام هذا الفشل لم يكن لهذا النزاع إلا أن يسلك مسارا آخر نحو البحث عن حل توافقي يرضي أطراف النزاع، وهو الأمر الذي حاولت أن تجسده تجربة الأمم المتحدة.
فالبنسبة للأمم المتحدة، فإن ملف الصحراء أحيل عليها سنة 1985 ليس كقضية تصفية الاستعمار بل كخلاف إقليمي تتنازع فيه أطراف عربية افريقية، و كقضية لاستكمال الوحدة الترابية بالنسبة للمغرب، انطلقت المنظمة الأممية في معالجتها للملف من مخطط السلام الذي سبق لمنظمة الوحدة الإفريقية أن وضعته وشرعت في تنفيذه قبل أن يتوقف مع انسحاب المغرب من المنظمة -47-، إذ ألح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك “خافيير بيريز ديكويلار” طيلة ولايته 1985 – 1991 على محاولة إنجاح وساطة الأمم المتحدة للبحث عن حل يرضي أطراف النزاع بدءا بوقف إطلاق النار ثم تنظيم الاستفتاء، مع إنشاء بعثة الأمم المتحدة المكلفة بتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية والمعروفة بـ“المينورسو” -48-، وخلال ثماني سنوات من العمل قدمت بعثة “المينورسو” جملة من الاقتراحات من ضمنها أن من يحق لهم التصويت في الاستفتاء “إن جرى بالفعل” هم لائحة الصحراويين الذين تم إحصاؤهم من طرف الإدارة الإسبانية عام 1974، غير أن بروز العديد من الإشكالات سيفضي في شهر 1999 بإعلان “المينورسو” عن توقف خطة الاستفتاء الأممية بالصحراء بسبب الخلافات الحادة فيه بين الطرفين على من يحق له التصويت، وعلى ذلك الأساس تم إلغاء الموعد الذي كان مقررا الاستفتاء في الصحراء وهو 6 دجنبر1998 -49-.

يتبع…

المراجع:


38 – MOHAMED LAMOURI: même ouvrage P 69.
39 – فخر الدين القاسمي: قضية الصحراء في العلاقات المغربية الافريقية بين سنتي(1972- 1984م )، مرجع سابق.
40 – أنظر؛ فخر الدين القاسمي: مرجع نفسه.، أيضا أنظر مقال خالد الغالي؛ المغرب وميلاد موريتانيا، مجلة زمان العدد 7 ماي 2014.
41 – عبد الحق الذهبي: قضية الصحراء ومخطط التسوية الأمميي، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2003، ص186.
42 – محمد لكريني: الدبلوماسية البرلمانية وقضية الصحراء المغربية في ظل دستور 2011″ دراسة قانونية تحليلية” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا السنة الجامعية 2016/2015 ص146.
43 – فؤاد أخريف: قضية الصحراء ما بين التاريخ والقانون والسياسة ص53؛ نقلا عن عبد الحق الذهبي: قضية الصحراء ومخطط التسوية الأمميي ، مرجع سابق ص 190 .
44 – عبد الحق الذهبي: ، مرجع نفسه ص 190.
45 – مونية الرحيمي: نزاع الصحراء في إطار السياسة الخارجية الأمريكية ، المطبعة السريعة، الطبعة الأولى2010 ص 113.
46 – مونية الرحيمي: : نزاع الصحراء في إطار السياسة الخارجية الأمريكية ،مرجع سابق ص 113.
47 – حسن الخطابي: قضية الصحراء المغربية بين الشرعية التاريخية والمشروعية القانونية، دار النشر المغربية الطبعة الأولى 2012 ص 53.
48 – ABDELMAJID BELGHAZAL: « le conflit du sahara occidental : au maroc a l’organisation de l’unite africaine et aux nations unies » revue arrabii N 6. 2018 p 35.
49 – عمري زين الشرف: مسار مسلسل المفاوضات في قضية الصحراء “مقترح الحكم الذاتي” الفترة الممتدة مابين سنة 2005 إلى غاية سنة 2011، رسالة لنيل الماستر في القانون العام والعلوم السياسية ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال السنة الجامعية 2010/2011 ص 27، 28.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *