التعليم الذاتي

فلسفة جديدة لبناء عقول جديدة

صدق من قال أن الطفل الذي اقتصر تعلمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم. تحيلنا القولة على أهمية التعلم الذي ليس بالضرورة مرتبطا بمؤسسة المدرسة ولكن التعلم في مؤسسة الحياة في جميع تجلياتها وكذا استغلال الفرص التي تقدمها لنا خير استغلال. جئت أقتسم معكم تجربة صغيرة في إطار التعريف بما يسمى الدروس المكثفة عبر الانترنيت (MOOCS) وهي دورات تعلميية تثقيفية تدخل ضمن التكوين أو التعليم الذاتي.


بدأت الفكرة سنة 2008 من قبل الأستاذين الجامعيين ستيفن داونز وجورج سيمنز من جامعة بكندا حيث قاما ولأول مرة بتجربة تصميم دورة تعليمية أكاديمية لطلابهم في الجامعة عن بعد، وقد كان الهدف بالتحديد هو استكشاف إمكانية خلق تفاعل واندماج بين الطلاب من خلفيات ومرجعيات مختلفة حول العالم مع الدرس المقدم وذلك بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة قصد تسهيل عملية التعلم، وكذا ضخ دماء جديدة في جسد العملية التعليمية التعلمية بعيدا كل البعد عن الطرائق التقليدية المعمول بها منذ زمن.
تعرفت على هاته الكنوز المعرفية بالصدفة قبل سنين وأنا أتصفح الفايسبوك ليجذب انتباهي منشور شخص يقول أنه جاء لنا بشيء يعتبر صدقة جارية على أي شخص متعطش للعلم ولم يجد السبيل ليروي ظمأه لتعذر الإمكانيات. كان المنشور يحمل العديد من المواقع العربية والأجنبية التي تقدم دورات تكوينية في مختلف المجالات، والجميل في هاته المواقع أنها لا تحتاج الكثير فقط شبكة انترنيت وأحد أجهزة الاتصال به سواء هاتفا كان أو حاسوبا؛ و من المواقع أيضا من تقدم لك شهادة استكمال الدرس تحمل اسمك الكامل عندما تنتهي وذلك بدون أي مقابل. أول ما قمت به هو أنني سجلت المنشور لكي لا يضيع بين كثرة المنشورات وقد وعدت نفسي أنني سأحاول أن آخذ بنصيحته وأن اسلك طريقا جديدا لأعلم نفسي، وقد كان طريق التعليم الذاتي عن بعد.


يصل الإنسان يوما للوعي والاقتناع التام أنه لا محيد عن العلم والتعلم في حياتنا، ويزداد اقتناعا حينما يرى كيف يمكن للعلم أن ينتشلنا من الجهل جثثا هامدة لا تعرف قيمة ما تملك من قدرات وأن يجعل منا أشخاصا نقدم لأنفسنا ولمجتمعنا الكثير. ببساطة العلم والتعلم يجعلاننا نحس أن لنا قيمة ودورا في الحياة وأنه لا يمكن لوجودنا أن يكون عبثا.


قبل أن اختم كلامي، أحب فقط أن أسلط الضوء على بعض المواقع أو المنصات رغم أنها غنية عن التعريف، حيث كان لها الفضل على شخصي كما هو الفضل على الملايين من الناس من حيث كمية وقيمة المعرفة المقدمة التي تتميز بالسهولة والمجانية، وهي تختلف بين مواقع ومنصات عربية مثل منصة إدراك و منصة رواق، ومنصات أجنبية مثل edx , canvas و coursera.


وأخيرا، يمر الوقت وأتذكر أن منشور ذلك الشخص كان فعلا صدقة جارية، منشور واحد فقط جعلني أخجل من سويعات كنت أقضيها في التفاهات، منشور واحد لشخص غريب لا أعرفه لكنه عرفني كم أننا جيل محظوظ، إن لم يكن الأكثر حظا على الإطلاق، لماذا محظوظ ؟ لأننا ببساطة لم نتجرع يوما مرارة الوصول للمعلومة، لم نذق حرقة المعرفة يوما ولم نكن من الذين أحبوا العلم حد النخاع لكن الظروف لم تكترث لشغفهم. أنا اليوم أتمنى من كل شخص يقرأ تدوينتي المتواضعة وخصوصا الطلبة والتلاميذ أن لا يكون مصدرهم الوحيد لاكتشاف قيمة العلم هي المدرسة، بل أن ينوعوا مصادرهم وأن يستثمروا جزءا من وقتهم وجزءا من إمكانياتهم في خطو هاته الخطوة المشجعة التي لا يمكن أن يندموا عليها يوما، لأنها خطوة نحو النور، خطوة نحو شيء لا ثمن له ولا يقدر بأي قيمة في العالم، خطوة نحو العلم، خطوة نحو مواقع ودروس من أرقى جامعات العالم التي ترحب بك مهما كان جنسك وجنسيتك، لغتك أو مرجعيتك، فهي تعترف فقط بالعقل، برغبة وإرادة الإنسان وبقدراته.

التعليم الذاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *