“رواية لاعب الشطرنج” من روائع زفايغ

عندما تكون رقعة الشطرنج مشرحة لخبايا النفس البشرية!

“في الشطرنج كما في الحب، نحتاج بالضرورة إلى شريك”


تعتبر”رواية لاعب الشطرنج” آخر أعمال الكاتب النمساوي ستيفن زفايغ، وبعبارة أخرى تعتبر رسالة انتحاره الأخيرة، ذلك أنه كتبها قبل أسابيع قليلة من رحيله عن العالم.
زفايغ الذي انتحر رفقة زوجته عام 1942 احتجاجا على الحروب والمآسي التي يعيشها العالم، كانت كل أعماله، أو على الأقل تلك التي قرأتها (الخوف، رسالة من مجهول، أربعة وعشرون ساعة من حياة امرأة، لاعب الشطرنج…) (كانت) بقصرها تضع الإنسان عاريا أمام حقيقته؛ رحلة في دهاليز النفس البشرية بكل تعقيداتها وتناقضاتها، وهي فرصة لأصحاب النفَس القصير ممن لا يقدرون على ضخامة أعمال دوستويفسكي، للتعرف على خبايا النفس البشرية في أعمال لا تتجاوز عتبة 100 صفحة.

في رواية “لاعب الشطرنج” يطل علينا الراوي من سطح سفينة متجهة صوب أمريكا الجنوبية، ليسرد حكايتين يمهّد بهما لنِزال يجمع بطليها في آخر صفحات الرواية:
الأولى للصبي الصموت الخامل “كزنتوفيك” الذي وُصف بأن “جهله عليم بكل شيء” فهو لا يتقن كتابة جملة واحدة دون ارتكاب جريمة في حق اللغة، ويستنجد بأصابعه كلما اصطدم بعملية حسابية، رغم أن القس الذي تكفل به بعد وفاة والده، بذل جهدا كبيرا في تعليمه دون جدوى.
ولأن القس اعتاد مرافقة الفتى ليلعب الشطرنج مع ضابط متقاعد، حدث ذات يوم أن جاء فلاح يطلب منه اصطحابه ليمنح مباركته لوالدته المتوفاة، ويترك الصبي ليُنازل الضابط،و لتحدث المفاجأة…
هُزم الضابط على يد الفتى الغبي، ثم عاد القس وهُزم أيضا في لعبةٍ تتطلب الكثير من الذكاء ولا مجال فيها للصدفة! وبعد مُضي سنة، ووسط ذهول كل من يعلم بغبائه وجهله وجلافته، يتسلق الصبي الريفي مراتب اللعبة ليصبح أشهر بطل فيها.
هنا تظهر براعة زفايغ في تشريح النفس البشرية وسبر أغوارها. فلأن الفتى يعلم بأن الكلام يُظهر جهله، اتخذ من الصمت وعدم مخالطة الناس وسيلة دفاع يحمي بها نفسه من السخرية، ومنذ ظفره ببطولة العالم صار يعتبر نفسه أهم رجل في العالم، هذا الشعور الذي عمّقه توالي الإنتصارات على أذكياء العالم وكسب المال… ليتحول خجله إلى كبرياء فاتر يظهر بطريقة فظة، وامتلأ رأسه الفارغ بذاته وأصبح مغرورا يحسب نفسه أعظم رجل في العالم هو الذي لم يعرف بوجود بيتهوفن ودانتي ورامبرنت…

يتبع الراوي فضوله في محاولة لاكتشاف سر هذا الفتى بوصفة مثالا عن الذهن المحدود المحصور في مساحة قدرها أربعة وستون مربعا أسودا وأبيض، وسبر أغواره رغم حظوظه الضعيفة، إذا ما عرفنا أن كزنتوفيك لا يتحدث إلا مع أمثاله من القرويين حتى لا يكتشف أي مثقف جهله اللامحدود.
ولأن المال هو الشيء الوحيد الذي يهم كزنتوفيك، تتطور الأحداث ليقرر “ماك كورنور”، وهو رجل أعمال ثري، إغراءه بمبلغ من المال مقابل أن يلاعبهم في نزال يجمعه بستة أفراد مجتمعين ليهزمهم في الجولة الأولى، ويوشك على تكرار ذلك في الجولة الثانية لولا تدخل السيد “ب” لتتحول الرواية صوب الحكاية الثانية لرجل قادم من ركام الحرب العالمية الثانية.
الشخصية الرئيسة الثانية بعد القروي هي السيد “ب” نمساوي من عائلة عريقة مقربة للقصر كانت تدير ثروات العائلة الملكية ومكتبا للمحاماة قبل احتلال ألمانيا للنمسا، واعتُقل بعدها ليجد نفسه سجينا وحيدا في غرفة بفندق كأسلوب تعذيب قد يقود جهاز الأمن الألماني لانتزاع معلومات وأسرار تدين العائلة الحاكمة. عزلته داخل هذا الفندق الفخم، كان تعذيبا مهذبا وضع الدكتور “ب” في مواجهة فراغ قاتل تزيده الوحدة المصحوبة بضغط التحقيق حِدّة.

” لا شيء في العالم يعذب النفس البشرية أكثر من الفراغ”

لا شيء يُنظر إليه، ولا حديث يُسمع، لا مجلة، لا جريدة، لا قلم… ولا حتى ساعة لمعرفة الوقت، فضاء يتشابه فيه الليل والنهار كمن يعيش خارج العالم. هذا الوضع الذي تقطعه حصة تحقيق تمطره بوابل من الأسئلة، كان بمثابة استراحة قبل العودة من جديد إلى اللاشيء.
استمر الوضع الذي كان يدفع به رويدا رويدا نحو الجنون، حتى حل موعدٌ آخر للتحقيق، فسرق كتابا وأخفاه تحت ملابسه. لكن الكتاب كان على غير ماتمناه، لأنه كتيبٌ يشرح قواعد وأحكام الشطرنج، وليس شيئا ذا منفعة عند السيد “ب”.
ولأن الفراغ قد يدفع بالإنسان إلى أي شيء، وجد في الكتيّب ملاذا ينقذه من العدم، فحفظه كله وضبط قواعد اللعبة ليجد نفسه بعد أيام يلاعب نفسه على رقعة رسمها في خياله كسلاح يجابه به رتابه المكان والزمان الخانقة! فكي لا يدهسه الشعور القاتل بالفراغ، كان يتخيل رقعة شطرنج ويتخيل موضع الأحجار البيضاء والسوداء، والفرص القادمة لكل نصف منه … هذا الجنون جعل من كل نصف منه يتحدى الآخر لأن القطع السوداء التي يمثلها كان منافسة شرسة للقطع البيضاء التي كان يمثلها أيضا !!
تمثل رقعة شطرنج، وتذَكر موضع كل الأحجار، وخلقُ شخصين متصارعين داخل واحد، ما كان عقل إنسان ليقدر على تحمله ليجد السيد “ب” نفسه داخل المستشفى بسبب انهيار عصبي، فيساعده الطبيب على شراء حريته مقابل أن يغادر البلاد، ليجد نفسه على ظهر السفينة يُطلب منه، هو الذي قرر الإبتعاد عن الشطرج حتى يتحرر من تجربته القاسية، منازلة الريفي “كزنتوفيك” الذي يعيش عَظمة مشيدة على وهم.
فمن سينتصر: “كزنتوفيك” الخامل الممتلئ بذاته والعاجز عن تجاوز مساحة العالم الذي شيده داخل رأسه الفارغ، أم السيد “ب” الذي تجرأ وتجاوز جدران مساحة الزنزانة التي سُجن فيها وحدود عقله البشري بخلقه لشخص آخر وملاعبته؟
إن براعة زفايغ في إعادة اكتشاف خبايا النفس البشرية، تتجلى من خلال هذه الرواية في قدرته على نقل مكنونات الشخصيات ووصف وتصوير أحاسيسها بدقة عالية. فالرواية بكل قصرها وبساطتها السردية وبكل أحداثها العادية، هي تسلل إلى داخل الإنسان عامة بكل تعقيداته، وبكل غروره وتواضعه، وسلوكياته وفراغه، ووحدته وفضوله
يقول زفايغ في الصفحات الأولى من الرواية:
“لطالما انبهرتُ في حياتي بالهواجس على اختلاف أنواعها، وباﻷشخاص المهووسين بفكرةٍ واحدة، إذ كلّما ضاق أفق أحدهم، اقترب أكثر فأكثر من اللانهاية. وهؤلاء الأشخاص تحديداً، من يبدو أنّهم اعتزلوا العالم، يبنون بأنفسهم، وبأدواتهم الخاصة عالماً مصغّراً مثلما تفعل ديدان الخشب، عالماً متفرداً ولا نظير له.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *