إن الله معنا

رسالة من محجور إلى سجين

الحياة والممات وما بينهما -وإن بدت مفعمة بحركية المكان الذي ينتج لنا الزمان- إلا أن المصير واحد ومحدد ولا قيمة لما سبق ذكره جملة وتفصيلا، كيف ذلك؟ هو سؤال سليم في ظاهره بالرغم أن باطنه يلفه نوع من التيه والغموض، وحتى نكون واضحين من خلال هذا المقام سنعرج في كل محطة بالوقوف لحظة تأمل وتدبر لأن الامر يستحق كل هذا العناء المريح .
إذا ما حاولنا إعطاء تعريف للمدعية “الحياة” سيكون من السليم بما كان إعتبارها مجرد فقاعة مائية بدأت نتيجة لتفاعلات كيميائية وليست من العبث، كما أنها جاءت كرد فعل من فاعل، هذا الفاعل ليس كباقي الفاعلين في النحو، كون أن هاته الفقاعة في ظاهرها تحمل الكثير والكثير من توهجات وسطوع يفتن مبصرها يجعله يتمنى أن يكون جزء من هاته التركيبة ينعم بجماليتها ويستمتع بما فيها وما حولها يسافر في طياتها ويبحر في ثناياها، ونحن لسنا عدميين فلن نجادل في جمالية المدعية أبدا وإن كنا من لحمها ودمها، ولكن ننسى أو نتناسى مصير الفقاعة، فمصير كل ما سبق ذكره وما يحمله وما ينتج من آثاره سوى الانفجار، اللاعودة، الانتهاء، اللاشيء والعدم…
فمادام الأمر مصيره الزوال والاندثار، لماذا تنغمس كل مكونات تركيبة الفقاعة متشبثين خانعين مخضعين في هذا الوهم والتيه الوجودي؟ الأمر لا يستحق كل هاته التضحية وتحمل عناء الهموم والمعاناة والانهيار في غيبات اليأس، وما جاوره حسب توقيت الاستسلام، وعليه يكون الأمر مجانب لصواب المنطق الوجودي إذا ما نحن لم نقاوم هذا العدو المصطنع وفق مقاس مخيلتنا، وبالتالي لا يستحق أن نخضع له وبما ينتج عنه بالفعل، فلم نختر أن نكون جزءا من التركيبة بمحض إرادتنا، ولكن وجودنا فيها لا يجعلنا نرضى بعذابها ولا حتى بقدرها، بالفعل نحن مؤمنون بالقدر ولكن لا نؤمن بإستسلام أمام المحن التي تحد من قوتنا، ومصيرنا هو أن نواجه ونجابه وكلنا ايمان أننا خلقنا للنعم وإن لم يكون نعيم فمجبرين لخلقه، وإن فشلنا فنحن مجبرون على إعادة الكرة كرتين وهكذا دواليك حتى نرى من ستكون له الكلمة.
هاته الكلمة “الحياة” ليست كباقي الكلمات كما غنت ماجدة الرومي، هي كلمة مفصلية توحي للمعني بها معناه الأخير، تحيله لتبيان مصائره تحكم عليه بحكم نهائي لا انتهائي، يكون مرد ذلك إضفاء نوع من القوة وعدم الخضوع للسلطة كما سلف الذكر آنفا، بل إخضاع السلطة لسيادتك، وبالتالي تتحكم في دواليب الحكم لحياتك، وترجع الأمور لنصابها خيرا من أولها، تضفي عليها ما سلب منها، تعززها بما افتقدت منها، تجدد مجرى مياهها الذي نال منه الجفاف، تتدارك كل ما تجاوز عنك ومنك .
وأنا بهذا القول وإن كنت أحاول الترافع أمام جبروت اللحظة، فذلك ليس معناه حبا في الفقاعة فشرف المواجهة وعدم الاستسلام خير من أن أجدد معاناتي وخيبات أملي ونكران أحبابي وضياع 2190 يوما من حياتي … فالصمود أمر واجب أمام هذا، مادام سلطانا لكبريائي، كما أن محمدا كان خير البشرية صبورا لا يؤمن باليأس وإن علا وسفل، ولذلك كلنا يجب أن نكون “….” صبور كما عرفنا حنون كما شعرنا، فصيح اللسان كما قرأنا، عزيز حبيب كما أحسسنا، هذا فيض من غيض لا نرغب في الغوص فيه نخشى أن المقال لا يتحمل ذلك .
وعليه وإن كنت صغير السن، أو غريب بعيد عنكم، أو أننا لا نعرفكم ولا نعي شخصكم … إلا أن هذا وذاك لا يجعلني أن أحاول من خلال هاته الأبجدية التي حاولت من خلالها أن أعبر عن قيمتكم ومكانتكم عندي وأن أواسيكم في محنتكم التي تطل على باب الانفراج، وكلي إيمان أنك سيد تستحق كل ما سمعته في حقكم، وأصدقك القول فعلا هي هدية من عند الله رغم أنها سليطة اللسان.

فاللهم كثر علينا الهدايا من لدنكم وأنعم علينا بصحة جيدة وإن ثرنا على فقاعتنا فضيق العيشة هاته، نبقى عبادك نطمح لرجاءك ولرحمتك ومواساتك، فاللهم افرج عنا الكرب، ويسر لنا القدر، واغفر ما تقدم وتأخر، واجعل خير الشهور شهرك المقبل، شهر الحرية والخيرات.

آمـــــين آمـــــــين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *