وجود بارد

هلوسات في زمن القر

فتح باب شقته ناويا الذهاب للعمل فتبدت أمام ناظريه تلك الحياة الروتينية المأساوية للموظف.
على درج العمارة تجمدت حركته وتساءل عن معنى وجوده في هذا الدرج، في تلك الشقة وهذه العمارة؟ يقف جامدا لا يتحرك، ناظره مصوب نحو الدرج وكأن الحيطان والدرج و كل شيء فراغ يستوعبه وهو قابع هناك. حاول النزول فتبخر الدرج إلى فراغ مهول أسود فاختل توازنه ورجع إلى الدرجة الأولى.
قبل أن يهبط تماما رأى على جدران الدرج ظلالا تتراقص، تتشابك أياديها، أعينها تنجذب لضوء هارب. تفتح أفواهها فيخرج منها صدى يزعزع المكان. تكبر الأفواه وتتاشبك فتصبح أصفارا متعانقة. تساءل في نفسه: أهذه أفواه أم علم ألمبيات؟ تبدى له الوجود باردا، مبهما وفارغا، وتلك الظلال لا تبدد وحشته في الدرج ولا تزيد الوجود إلا إبهاما.
صادف في باب العمارة عيونا جاحظة ووجوها مصفرة أصابها الوباء، أجسادها تختلف. بجانب درج العمارة جلس جسد نحيل جدا على رأسه عمامة يلتحف بطانية حمراء وإلى جانبه كيس أخرج منه خبزا محشوا ببعض اللحم المقدد وأخذ يلتهمه غير عابئ بنظرات المارة. مر بجانبه جسد سمين آخر يلبس بذلة أنيقة وفي رجليه صندل. أشعل سيجارة ونظر إلى الرجل الجالس بجانب العمارة بازدراء.
تابع الموظف مشيه؛ الخطوات تتساقط عنه وتستمر خلفه على نفس الطريق الميتة. الجسدان يقصران مع بعد الموظف، و يدبان في انكماش والعيون تعتصر الحزن من كل المرئيات. يصادف في طريقه نفس الأشياء كما البارحة والأيام الفارطة. أشياء تبدو رمادية غائصة في الوحل، متداعية الشكل ومليئة بملل يرهق النظر ويكسو جسده حالة تشاؤم غير متوقعة. ترك أقدامه تتجرجر على طول الطريق الذي تركته أرجل المارة رخوا ملطخا ببقايا الأحذية. طافت أمام ناظريه حياته كلها.. رآها وكأنه يراها في حلم تتسارع أحداثه ووقائعه.
بدأ الطريق كذلك طعم الوجود البارد الصادم، والواجهات تطل عليه بعيون زجاجية عديمة البريق. ينحني جسده النحيل وهو يرى أعالي العمارات وهي تتضام وكأنها تتعانق لتمنع عنه رؤية السماء.
وجد نفسه فجأة وسط رجال كثيرين يسيرون في مسيرة كأنهم يطلبون الاستسقاء أو ربما كانوا مأجورين للهتاف والتصفيق لموكب رسمي يمر غير آبهين ببعضهم البعض؛ عندما دقّق النظر فيهم رآهم يلبسون أكفانا سوداء مخيفة فاقشعر جسده وهرول فارا من الموكب.
شعر أن العمارات تتهاوى على رأسه ويصبح فأرا ميتا على الرصيف. فهرول فارا إلى شقته ليحتمي من هذه الهلوسة التي أصابت المدينة. صعد الدرج صعودا بطيئا وبعسر شديد. فتح باب شقته، فانفتح عن وجه صديقه الميت زمنا مضى. هل يعانقه و يقبله؟ صديقه عاد من موته حيا، أيعقل؟ هل يرجع يهبط في الدرج ويحتمي في الطرقات ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *