كانت و لا زالت هي الكلمات

عندما تصبح الكتابة عشقا و ملاذا

قالت أنامِلُكِ تَخُطُ ذهباً، أنا معجبة بما تكتبين، لكن لماذا تكتبين؟

-لماذا أكتب؟!لم أطرح هذا السؤال على نفسي من قبل، فكم هي الأسئلة التي لم تتبادر الى اذهاننا أبدا؟!

قاطعت حبل أفكري سائلة: متى بدأتِ الكتابة؟

-لا أعلم أيضا، أو بالأحرى لا أتذكر متى كانت البداية،هل في سنوات الإعدادية ؟ ممكن،لكن أتلك الخربشات تعد كتابة؟! فما الذي يجعل من بضعت أسطر مقال أوخاطرة جيدة ومتكاملة ؟ أهي سلامة اللغة؟ أم الاحاسيس والتجارب المنقولة عبركلماتها؟ أم اختيار الموضوع؟…لا أمتلك جوابا واضحا ففي البدأ كانت الكلمات… استهوتني الكلمات حتى غرقت في بحرها رويداً رويداً، ووجدت فيها ضالتي. من قصائد حول الطبيعة  التي خربشتها في سنوات الإبتدائي في محاولة لتقليد بطلة الرسوم المتحركة “إيميلي” إلى خواطرعن نفسي وكل الذوائق التي نمر بها كمراهقين. تلك الفترة التي تخيف الأباء وتجعلنا نطرح تساؤلات عدة.فلم اجد سوى الكتابة كحل لوصول القمة والاجابة عن التساؤلات وكشف الخبايا،لهذا كانت الكتابة بالنسبة لي محاولة فهم… محاولة للوصول للمعنى … كنت في فترة الشك أُدَوِّنُ أفكاري،تَيَهَانِي وضياعي دون حسبان.كانت تَسْوَدُّ الصفحات البيضاء العارية حبراً في غضون دقائق، فكانت بالنسبة لي كالمستمع الجيد يستمع دون إصدار الأحكام كانت الكتابة  تنير بصيرتي وتَدُلُني للأجوبة عن تساؤلاتي.

فللكتابة الفضل في ما أنا عليه اليوم. جادت علي بكل ما لها  لتصنع هته الفتاة التي رغم شبابها تُحِسُ على الدوام أن الوقت يداهمها،خائفة أن يسبقني الزمن دائماً كعجوز في الثمانينيات من عمرها لا تخاف الشيخوخة ولا الموت بقدر خوفها من أن تسرق منها الحياة شغفها أويحطم الزمن أهدافها،فدُفِنَت حية في أزِقَةِ الحياة.

الكتابة رافقتني إذاً في رحلة شكي بكل ما تجود به هذه الرحلة علينا من تقلبات ومنعرجات،إلى أن تصالحت مع الشك  فرأيته نعمة لا نقمة،وأصبحت قادرة على الوثوق بمواقفي والدفاع عنها، لكنني تركت له فتحة يتسلل منها ليسلك طريقه دوما نحو أفكاري لكي أتحقق إن كانت تستحق أن أتشبث بها وأدافِع عنها أم أنها مجرد أفكار ظلت عالقة في ذهني بسبب العاطفة وحسب .

ومن خاطرة إلى أخرى ومع اختلاف المواضيع التي اكتبها وادونها اصبحت الكتابة ملجأ آمنا أهرب فيه من قساوة الحياة وضوضائها ومصاعبها،أصبحت طريقتي في المواجهة بالاضافة الى القراءة التي ترتبط بها ارتباطا وثيقا  ،فلكتابة سطر واحد نحتاج لقراءة مئات الصفحات بل الكتب…
استوقفتني  وسألتني ثانية أتحبين الفن أيضا؟

-أجبت نعم، أنا أرسم منذ طفولتي ،أول رسم أتذكره كان لجدتي ومازلت خالتي تحتفظ به ،اما جدتي وأبي يُطالبان  مني بإستمرار أن أنظم معرضا فنيا لكنني أظن أن هذا الامر سياخذ بعض الوقت.

وماذا عن الشِعر؟

-قلت مبتسمة وساخرة أتقصدين قصائد ” إيميلي” فاسألي أمي اذا!..هي تحتفظ بهم كأن جبران خليل جبران هو من خطهم بأنامله.

ضحكت ثم استرسلت لا أنت تعلمين جيداً ما أقصده قرأت لك من الأبيات ما راقني فعلاً.

-شكراً،لكنك تبالغين قليلا، تلك مجرد كلمات مبعثرة…كلمات تتصارع في دواخلي.

-نظرت نحو الأفق وقالت :أتعرفين إن الشعر والجمال والموسيقى والفن والكتب والقهوة هي ما يجعلنا نبقى على قيد الحياة.

-وَدَدْتُ أن أقاطِعها قائلة هذا إذن ما نُحارب من أجله لكنني تراجعت وقلت لها :اتعلمين أن الكتابة أنقذتني من نفسي من تخبط أفكاري وقساوة الحياة ،كانت السند وقت الضيق،والنورالأقوى في ظلمات هذا العالم، كانت و لاتزال الملجأ الوحيد. كما قال ( بوكوفسكي) عن الكتابة و الكلمات: إن لم تخرج منفجرة منك،برغم كل شيء فلا تفعلها.إذا لم تخرج منك دون سؤال،من قلبك و من عقلك، من فمك،ومن أحشائك فلا تفعلها.إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ ،إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون،عندما يكون الوقت مناسباً ستحدت الكتابة من تلقاء نفسهالا توجد طريقة أخرى ولن توجد قط.

فقد كانت و لا زالت هي الكلمات- فممتنة أنا لها.

كانت و لازلت هي الكلمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *