اغفروا للشعراء

كهول مراهقون ومجانين حالمون

لا يجب عليكن بحق معشر النساء أن تقعن في حب الشعراء أو أن تنفعلوا من اختيارهم المغادرة عند أول فرصة، أو تستغربوا من مزاجهم المجنون وتقلبهم بين الهرب أو البقاء، أو الاتصال في أوقات متأخرة من هواتف عمومية لم يعد يستعملها أحد ليتحدثوا طويلا عن جولاتهم الليلية، عنغرفهم الصغيرة أعلى السطوح وآبائهم الهاربين.

الشعراء مجرد كهول لم يغادرهم الطفل الطاهر بعد، لم تغادرهم دهشة الاكتشاف، دائموا الشرود في الأفق والارتياب، يختارون كلماتهم المقتضبة بعناية أو يسترسلون في الحديث طويلا وإن لم يسمعهم أحد.
هناك منهم من يدمن الكحول بعد الأربعين أو الخمسين ليفاجئ الجيران “بمراهقة متأخرة“، ويعربد باحثا عن أمه الثانية؛ القصيدة في الحانات. هناك منهم من يختار التصوف أو اقتراض السجائر في انتظار الأجر، إن سمح له كسله اللذيذ بالعمل .
الشعراء مجانين بحسابات على الفيسبوك، وصور باهتة على ملاحق الجرائد الثقافية. ملائكة بأرواح هشة بقرون استشعار أعلى رؤوسهم، يخفونها بقبعات إنجليزية مرقطة لا تفارقهم.

اغفروا بحق للشعراء فشلهم في الحب أو في فتح أحاديث ودية قرب محطات الباص أو مع سائقي الطاكسيات، وهم يبدون آراءهم في بلاغات الحكومة، حالة الطقس ونتائج مباريات البارحة …
ليس ذنبهم بحق عدم قدرة مؤخراتهم الهزيلة على الجلوس بمقرات الأحزاب ونقاش السياسة الطويل والممل. لم يعد بودهم بعد اليوم أن يكتبوا شعرا ملتزما، اختاروا أن ينظفوا أرواحهم قبل ذلك، والمهمة أعقد بكثير من تغيير العالم. الإيديولوجيات في أرض الشعر مجرد محاولة فاشلة لإضفاء معنى على الحياة .

اغفروا للشعراء كذلك اقتراضهم المتكرر من أصدقائهم؛ الذنب ليس ذنبهم بحق، هو مجرد كرم لقصيدتهم بتبذير الراتب في الأسبوع الأول في المقاهي وفي تجريب أشياء جديدة. اغفروا لهم خجلهم…
وفليغفر لهم الصابون استمناءهم المتكرر في الليالي الماطرة.

لا يجب عليكم بحق معشر النساء أن تقعن في حب الشعراء، و إن حدث وفعلتم فيمكن لكم الاكتفاء بكتاب الشعر الكلاسيكي، فهم أقل خطرا وقد اختاروا أن يقطنوا بقوالب جاهزة لا يحتاجون تغييرها. لذلك فهم مخلصون لا يغيرون نساءهم، يتزوجون بسن مبكرة، يلتحقون بسلك التعليم و يلتزمون بحضور مناسبات العائلة، لبس الجلابيب، قراءة عباس محمود العقاد، أكل “كعب الغزال” والخروج أيام الآحاد مع زوجاتهم وعصابة أطفال.

لكن إياكم ثم إياكم أن تقعوا في حب شعراء قصيدة النثر، فهم دائمو التجريب وشغبهم في القصيدة يمتد لشغبهم في الحياة. دائمو الهرب من أنفسهم، لا يسددون الديون في الوقت، يفضلون سراويل “الدجين” وتمضية الصيف بأصيلة. وإن حدث وأخبركن أحدهم أنه يحبكم فهو كاذب لا محالة، يحب بالأحرى الإحساس الذي خلفه حضوركن بالقصيدة داخله. القصيدة دائما هي الزوجة الأولى.

اغفروا للشعراء كل شيء لكن لا تغفروا لهم أبدا خبثهم أو شحهم، لا يمكن للشاعر إلا أن يكون طاهرا سخيا يوزع القبلات، و يعود بجيوب فارغة كل مساء وبأعين مغرورقة بالدموع، والتيه الأبدي.

اغفروا للشعراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *