ومضات من “جائحة كورونا”

وَمَضاتٌ.. دروس وعبر وتأمّلٌ في عالمِ "ما بعد الجائحة"

شكلت جائحة كورونا محطة بالغة الأهمية، اختبرت على مستواها سائر دول العالم ومختلف المنظمات غير الحكومية، لتكشِف عن خللٍ وظيفي في النسق العالمي تجسدت تجلياته في أزمة عالمية صعب إحكامها والسيطرة عليها، وخلّفت تداعيات خطيرة ذات منحى سلبي في معظمها، أرخت بظلالها على كافة المجالات وعلى رأسها الاقتصاد الذي عرف انكماشا ملحوظا وركودا يذكرنا بالأزمة الاقتصادية لسنة 2008، أزمة تضعنا أمام سؤال المستقبل، ما الذي سيتغير؟ هل ستعود الحياة إلى سابقِ عهدها أم أننا سنشهد هَيكلة جديدة للعالم أجمع؟

إنّ المتتبع لمجريات الأحداث يعي جيداََ أن المشهد الدولي يُعاد رسمه من جديد وأن موازين القوى في العالم لاشك ستختلف بعد مُضي فترة الجائحة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا عاجزة اليوم عن التصدي للوباء، وهو ما يؤثّر على أفرادها واقتصادها ويكبل سياساتها، في حين أن الصين ودول آسيا سرعان ما تعافت من الأزمة وتمكنت من محاصرة الوباء، الأمر الذي يُنذر بأن الكفّة تميل إلى الشرق على حساب الغرب الذي يعاني -على الأقل في ما يسمى بالاتحاد الأوروبي- من التشظي والتفكك، وتكاد مبادئه تفقد بريقها أمام واقعٍ يكشف عن عمليات سرقة ومصادرة لطائرات تحمل مساعدات ولوازم طبية، واقع يُعلن عن التّنكر في زمنٍ يستلزم التعاون، واقع يُسائل الاتحاد الأوروبي عن المصداقية ويعيد طرح إشكالية الدور والوظيفة.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أبانت سياسة تدبيرها للأزمة عن ضعف شديد في كافة الميادين جعلها تتصدر المراتب في لائحة المتضررين من فيروس كورونا، وهي التي كانت بالأمس القريب تفاخر العالم باقتصادها الضخم ومنظومتها الصحية المتميزة، ثم ما لبثت أن انكشَفَ ضعفها أمام العالم ليظهر فشل سياستها في التدبير وعُقم منظومتها في الاحتواء والسيطرة، فلم يبقى أمام رئيسها سوى أن يتنصّل من المسؤولية ويُلقي بالتُّهم جُزافاً على منظمة الصحة العالمية، التي لم تستطع أن تَدفَع عن نفسها خوفا من قطع الدعم عنها.

أما “التنين الصيني” فقد أظهر قدرا كبيرا من الذكاء في التعامل مع الجائحة منذ الأيام الأولى بفرضها أكبر حجر صحي، والدفع بالاقتصاد لتبني ما يطلق عليه “بالأتْمَتة” (التشغيل الآلي)، بروز دور التجارة الإلكترونية والتوجه إلى العمل من البيت، وإدراج الرقمنة في سائر القطاعات، وتشجيع الابتكار والاختراع المحلي، وزيادة الانفاق على قطاع الصحة وتقوية منظومته، وتوفير جيش من المتطوعين لمواجهة المخاطر المحتملة، واستغلال الامكانات والفرص التي تتيحها التكنولوجيا على مستوى التعليم في المدارس والجامعات، وبثِّ روح التعاون التعاطف، الشيء الذي أدى إلى نتائج ايجابية تمثّلت في خلق بنية تحتية ذات انتاجية عالية وفّرت الطاقة وساهمت في تخفيض الكلفة وتحسين الجودة ثم هي أكثر حفاظا على صحة الإنسان، مما أدى إلى رفع منسوب الثقة لدى المواطنين بفعالية ونجاعة السياسة التدبيرية للأزمة، وقلص من خطر العطالة وآثار اندثار بعض المهن أو الوظائف.

ومهما يكن انطباعنا عن الأزمة الحالية ومآلاتها، فإن الأنظمة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تعتمد التفكير الاستراتيجي في سياساتها والتوقع في مجابهتها للمخاطر واليقظة القانونية في تأطيرها للمجتمعات والالتقائية التي تفرض التنسيق والشمولية والتي تدفع بها الارتباك والعشوائية في التدبير، البشرية اليوم في حاجة للاستفادة من درس كورونا والانفتاح على الدراسات المستقبلية؛ اليوم نحن بصدد أزمة في الصحة لها تداعيات كارثية في ميادين مختلفة، لازلنا نتخبط في مواجهتها ومعالجتها، كيف بنا غدا إذا واجهنا أزمة من نوع آخر، كيف بنا إذا ما ضرب العالم كارثة بيئية جفاف او استنزاف للفرشة المائية، كيف بنا إذا أصابتنا مجاعة غذائية، كيف نصنع؟ هل نحن جاهزون؟ ما الذي أعدته البشرية؟ هل حققت التراكم؟ أين الرؤية الاستشرافية؟..

إننا في أمس الحاجة لكل مَا يضمن الاستدامة، وليس لنا بُدٌّ من ممارسة التأمّل العميق الذي يقوم على الإبداع، والرّؤية الاستشرافية المتّصلة بالمستقبل بكل رهاناته وتحدّياته، بصورة تجعل الأداء في مستوى الانتظارات والتحدّيات، وتقلل من حدة المخاطر والمشكلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *