مآلات العالم بعد فيروس كورونا

أي مصير لأية شعوب؟

إن الأزمات هي ما تجعل الإنسان يتغير، فحركية التاريخ تتجه دائما نحو الأمام؛ وهذا هو ناموس الحياة. فجل الحضارات عرفت أزمات وحروبا خرجت منها بتغييرات جذرية. “فغريبة هي البشرية في زمن الأوبئة أو الكوارث الطبيعية، تفقد ذاكرتها، ويصيبها التيهان، فتتنحّى بعيدا عن الاستفادة من دروس وعِبَر التاريخ، وقد يصبح المعقول “لاعقلانيا”، تبدو البشرية وكأنها تبدأ من نقطة الصفر، وأنّها المعركة الوجودية الأولى والأخيرة لها، وهو ما يقع حاليا في هاته الحقبة”، التي سوف تعرف تحولات ونظريات سواء على المستوى الاقتصادي، أو النظم السياسية أو الاجتماعية وهو ما سوف نتطرق له من خلال ثلاث نقط محورية.
الاقتصاد ركيزة أي بلد في العالم، وقد تضرر بشكل كبير في هذا الوباء، فجل الشركات قد توقفت عن العمل في مختلف القطاعات، ورغم حزمة الإصلاحات التي تنهجها الدول إلا أن الأضرار مازالت في ارتفاع؛ عدد المتوقفين عن العمل في ارتفاع مهول وحتى بعد انتهاء الفيروس سوف تحتاج جل الدول سنين للتعافي من الركود المالي لاسيما مع ارتفاع حجم المديونية؛ إلا أنه في مقابل ذلك نرى استفادة دول من هذه الجائحة على رأسها الصين التي كانت مداخيلها لشهر مارس بالنسبة للصادرات من المعدات الصحية هي 1.2 مليار دولار. حقائق أعادت ترتيب وتصحيح أشياء كنا نحسبها بديهيات، خاصة فيما يتعلق بتصنيف الدول في سلم التنمية والتقدم، حيث أظهر فيروس كوفيد-19 أن معايير تصنيف الدول مابين نامية ومتقدمة باتت متجاوزة، لكن قد يشكل كورونا فرصة ثمينة للدول النامية كي تطير بأجنحتها الخاصة وتنطلق بإمكانياتها الذاتية حين أغلقت في وجهها الحدود وسكرت الأبواب. زيادة على تأثر العديد من القطاعات الغير الاقتصادية كالرياضة، فكرة القدم مثلا والتي تواجه من خلالها جل فرق كرة القدم أزمات مالية خانقة خصوصا مع توقف حقوق البث التليفزيوني.

يبدو أن كوفيد-19 قد وصل إلى عالم السياسة، فالساسة أصبحوا يوظفونه في برامجهم الانتخابية المقبلة وجعلوه محور قراراتهم مع ظهور تحالفات جيوسياسية جديدة واختفاء أخرى؛ بالإضافة لما يقع من عمليات قرصنة للمعدات الطبية والتي سوف تعيد صياغة العديد من قواعد القانون الدولي، مع بروز دول كانت إلى الحد القريب استبدادية والاعتماد عليها في مواجهة هذه الجائحة، مع نسيان العديد من القضايا الراهنية والتي كانت هي محط اهتمام صانع القرار العالمي. إلا أن أهم ملاحظة هي بداية الارهاصات الأولى لتفكك الاتحاد الأوروبي سيما مع اختفاء بعض المفاهيم كالوحدة الأوروبية والتعاون الاقتصادي والمصير المشترك…؛ وبروز الصين كمنقذ لهاته الدول عبر مساعدات عينية كما تقديم يد العون، وهي الإشارة التي أكد عليها رئيس الوزراء الصربي في إحدى تصريحاته. لكن في مقابل هذا من يحمي الحريات والحقوق العامة من تمدّد سلطات الحكم الشمولي التي يسعى بعض القادة في العالم لتكريسها في حقبة كورونا، وحالة الطوارئ “الصحية” وحالة الطوارئ “الأمنية” التي تعتبرها بعض الأنظمة ذريعة للمس بهاته الحقوق؟

للوهلة الأولى منذ ظهور هذا الوباء انخرطت الدول في تقديم المساعدة لاسيما للطبقات الهشة داخل المجتمع، عبر حزمة من البرامج الاجتماعية والسياسات العمومية والبرامج الحكومية التي كان الفرد محط اهتمامها. وبالقيام بمقاربة بين دول الجوار، يظهر أن المغرب شكل استثناء فهو يحتل صدارة دول شمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط؛ في تقديم دعم مباشر لمواطنيه المتضررين من أزمة كورونا، حيث تراوحت المبالغ من 800 إلى 2000 درهم، أما تونس من 630 إلى 700 درهم، العراق 250 درهم، أما الأردن فاكتفت بمواد غذائية. أما كوريا الجنوبية طورت استراتيجية اختبار مبتكرة (اختراع أجهزة اختبار سريعة) وتوسيع سعة المختبرات وتتبع واختبار الاتصال الشامل في مناطق مختارة، ثم عزل الحالات المشتبه بها في مرافق مخصصة بدلا من المستشفيات أو المنازل. مع حضور قوي للمجتمع المدني عبر التوعية ومبادرات ذات بعد اجتماعي.

إلا أنه في مقابل هذا ظهرت عنصرية سواء عبر خطابات إعلامية تحض على الكراهية والعداء لدول، أو من طرف أفراد من خلال التنمر، واعتبار كل شخص آسيوي حامل لفيروس كورونا؛ ولكن، ورغم كل هذه الظروف، فهناك بدايات لصناعة إنسان آخر غير الإنسان الذي كان قبل هذا الوباء وداخل فترة الوباء، وهو الإنسان السنونو، الإنسان الكلب، الإنسان القرش، والإنسان الإنسان.
أخيرا، إن كورونا سوف يكتشف لها لقاح عاجلا أم آجلا، لكن عندما ينتهي هذا سوف نجد أنفسنا قد تغيرنا سواء مما نحمله من مشاعر اتجاه الاخرين، أو من خلال ما اكتشفناه داخل ذواتنا خلال فترة الحجر الصحي، للوصول للنجاح سواء في الحياة الخاصة أو العملية؛ سنتأكد أننا في سفينة واحدة لن تتقدم إلا بتضامن الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *