صراع أزلي

عن القوامة بين المرأة والرجل

منذ نعومة أظافرنا ونحن نسمع بالمجتمع الذكوري، مجتمع يفرض فيه الرجل سلطته وقهره تحت مسمى القوامة -على الرغم من أن هذا المصطلح بعيد كل البعد عن التسلط والاضطهاد-، مجتمع يعطي للرجل الحق في اتخاذ القرارات دون استشارة المرأة والأخذ بنصحها ويبرر له كل هفواته وزلاته وأخطائه، لكنه بالمقابل يدين المرأة على أبسط أخطائها وعن تمردها وانتفاضتها أمام وضع يسيء لها ودفاعها عن كرامتها واتخاذها لقرارات من تلقاء نفسها فحتى استقلاليتها تعد جرما لدى البعض، مما جعل بينهما نوعا من التحدي بسبب وضع المرأة في قالب يتسم بالضعف والانقياد، قالب تحكمه العادات والتقاليد والعيب والنمطية
مجتمع أفشى بيننا النزاع والمشاحنة وصور لنا كما لو أن كل واحد منا منفصل عن الآخر أو كأننا مخلوقات غريبة عن بعضها البعض متناسيا أن المرأة خلقت من ضلع قريب من قلب الرجل.. فما السبب الذي جعل من المرأة عدوة للرجل؟ بل أليس الطرفان معا ضحايا صراعات وليدة اختلال التوازن الذي كان يجب أن يكون بينهما؟
صراع المرأة والرجل الأزلي، والذي يعيق تقدم مجتمعاتنا على مستوى العديد من الأصعدة لاسيما الأخلاقية منها ليس إلا فكرة مختلقة في أذهاننا تعمدها البعض من أجل أهداف سياسية واقتصادية بحتة، هي ليست سوى فكرة مغلوطة رسخت في لاوعينا لتجعلنا أعداء بعضنا البعض، بعدما انبثقت تداعيات عدة وفئات مناصرة وأخرى معارضة للمرأة حيث المناصرة منها تطالب بالمساواة بين الجنسين، أما الفئة المعارضة فتتهمها بالتمرد والخروج عن العادات والتقاليد والأصول والأعراف. لكن ألا يمكن أن نجد حلا وسطا بين كلتا الفئتين؟ أليس العدل والنظرة العادلة المنصفة للمرأة كما للرجل هو ما ينقصنا لتخطي كل هذا النزاع؟ أليس الجهل والتربية الخاطئة والتفرقة أحيانا بين الجنسين وتفضيل أحدهما على الآخر هي واحدة من أسباب هذا الصراع؟

كلنا يعلم أننا تجمعنا الإنسانية لكننا نختلف من حيث التكوين الفيسيولوجي والسيكولوجي، وتحمل الرجل لأعباء نظرا لبنيته الجسدية لا يمكن أن نجزم به أن المرأة غير قادرة على تحملها. هذا الاختلاف راجع إلى أمر أراده الله لتحقيق العدل والتوازن في كونه. فما بإمكان المرأة القيام به قد يعجز عنه  الرجل والعكس بالعكس .. و بالنظر عموما إلى الطبيعة الفيسيولوجية للمرأة نجد أنها تستطيع أداء العديد من المهمات في أن واحد بينما يتعذر هذا على الرجل مثلا، وهنا يتجلى إعجاز الخالق في جعلها كائنا متميزا بكل تناقضاته وقدراته، وسر قوتها يكمن في أنوثتها وضعفها وحنانها وعطفها، وهذا أكثر ما يميزها.
فلكي تتحقق المساواة يجب أن يتمتع كلا الطرفين بنفس المميزات ونفس الخصائص والقدرات ولا يمكن أبدا أن نساوي بين جنسين يختلفان عن بعضهما البعض، وحتى لو ساوينا بينهما غالبا ما سنظلم أحدهما أوكليهما… فهل فعلا المساواة أنصفت المرآة وأعلت من شانها وغيرت نظرة المجتمع لها الذي كان ينظر إليها نظرة ضعف وانقياد أم أنها زادتها أعباء ومهمات حتى اختل التوازن فعليا؟
فحقيقة لا ننكر إن النساء قد بلغن مناصب مهمة كتلك التي تقلدها الرجال وساهمن في بناء العديد من الحضارات وأصبحن منافسات لهم في جميع المجالات، وكشفن عن جدارتهن وقوتهن وقدراتهن على مر الأزمنة.
فمثلا ولاَّدة بنت الخليفة الأموي المستكفي بالله كانت شاعرة وأديبة وكانت من النساء البارزات في الأندلس حينها ومن أقوالها أنا والله أصلح للمعالي ..وأمشي مشيتي و أتيه تيها. وأيضا الإمبراطورة ثيودورا التي كان لها نفوذ كبير في الإمبراطورية البيزنطية، والتي ناضلت من أجل العديد من القضايا. إضافة إلى رفيدة الأسلمية التي كانت مثالا للبذل والعطاء وخدمة المجتمع والتي شاركت الرجال في الجهاد عندما كانت تسعف الجرحى أثناء المعارك … وغيرهن العديد والعديد من الحاكمات والمحاربات والطبيبات ورائدات الفضاء والمهندسات..
وعلى الرغم من هذا كله يبقى دورها كأم وكمربية للأجيال ولأبناء صالحين من أبرز مهماتها وهذا لا يعد أبدا انتقاصا من قدرها ولا تقزيما لإمكانياتها ولامانعا لها من أن تنهل من العلم ما استطاعت إليه سبيلا أو حتى أن تزاول وظائف تتماشى مع طبيعتها وقدراتها، بقدرما هو تتويج على رأسها وفخر وشرف يجب على كل نساء الأرض الاعتزاز به لما أعطاها الله إياه من مكانة سامية إذ أنه جعلها تهب الحياة للعالمين وتتكفل بتنشئة الأجيال والأمم ..
فبالعمل من منطلق العدل ورجوعا إلى ديننا الذي يعتبر منهجا ودين عبادات ومعاملات وببعدنا عن تقاليد وأفكار تسمم علاقاتنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبتنمية مستوى وعينا، قد نتجاوز كل النزاعات التي نعيشها من تنقيص من شأن المرأة وإهانتها والنظر اليها بطريقة نمطية، لكون الرسول عليه الصلاة والسلام كرمها وشرفها في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي نقلت عنه ناهيك عن سيرته عليه الصلاة والسلام التي تخبرنا عن تعامله مع نسائه خاصة وعن دعوته لاحترام المرأة وتقديرها ومعاملتها بلين ورأفة سواء كانت أما أو زوجة أو أختا أو ابنة .. فبالعدل وبتطبيق التعاليم الدينية وبتركيزنا على تربية الأبناء دون تمييز أحد الطرفين عن الآخر-لأن الأسرة هي أساس بناء المجتمعات واللبنة الأولى لإنشائها- قد نحد من وطأة الصراع القائم والنظرة المتحدية التي ينظر بها كل واحد منهما إلى الأخر.
فلو تعاملنا انطلاقا من مبدأ العدل لعرف كل منا قدر نفسه، لعرفنا أن كل واحد منهما جزء من الآخر وسند له، وأنهما سويا بإمكانهما عمارة الأرض وصناعة الأجيال، ولما أهدرنا السنين في محاولات بائسة لنيل شرف البطولة في حرب خاسرة من الأساس.
فنحن لا نريد مجتمعا ذكوريا ولا نطمح أيضا إلى مجتمع أنثوي؛ كل ما نرغب فيه هو مجتمع تتظافر فيه جهود الطرفين في جو يسوده الاحترام المتبادل والتقدير والمودة والإخاء والرحمة ويعملان سويا على إعلاء القيم والمبادئ وزرع بذور الخير في أجيالنا المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *