انتحار دون سابق إنذار

قصة قصيرة من وحي الخيال

بينما كان زيد عائدا من المدرسة صادف في طريقه سيارة إسعاف تكاد تجاري سرعة الضوء وصوتها يكاد يصم الآذان، مما جعله يدخل في نوبة من الذعر والدعاء للشخص الذي بداخل السيارة إيمانا منه أن الدعاء يصنع المعجزات، أو كأن حدسه يخبره أن شخصا عزيزا هو من يتواجد داخل سيارة الإسعاف تلك.

واصل زيد السير إلى المنزل، فإذا به يجد حشودا مجتمعين أمام بيتهم وكأنهم ينتظرون حصتهم من”قفة رمضان” تسلل بينهم يسألهم ويعيد الكرة: ما الذي يحدث هنا؟ هيا أخبروني بربكم! وعلامات الخوف والقلق بادية على محياه، عندئذ أخبره أحدهم أن امرأة أقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها من فوق السطح..

دخل مسرعا إلى البيت وهو ينادي بهلع: أمي، أمي أين أنت؟ أمي أين أنت… ؟ لكن لم يجبه احد!
فجأة دخل فوجد أخته الصغيرة ذات السبع سنوات مصدومة من هول المشهد المرعب وعيناها محمرتان من شدة البكاء فأخبرته وهي تتكلم بصعوبة تامة أن أمهم قد قامت برمي نفسها من فوق سطح المنزل!
صدمة كبيرة أحس بها في تلك اللحظة الملعونة فلم يعد يقوى على الكلام قط!
وبعدما استعاد أنفاسه قليلا، اتصل بوالده الذي غطى الشيب رأسه حيث كان أنذاك في العمل، ليخبره بما جرى! فلم يصدق الخبر قائلا له :لاشك أنك تمزح معي! كيف لأمك أن تنتحر ولم تكن تبدو عليها أي حالة قلق أو اكتئاب…؟!

فردعليه قائلا: بالله عليك يا أبتي هل المزاح يكون في مثل هكذا أمور؟ تالله إن أمي قد ألقت بنفسها من فوق السطح وقد أخذتها سيارة الإسعاف على وجه السرعة للمستشفى، هذا ما أخبرني به أحد الشهود العيان وقد صادفت سيارة الإسعاف بنفسي بينما كنت عائدا إلى البيت!

وفور إنهاء المكالمة، ذهب الأب مسرعا نحو المستشفى الذي ترقد به زوجته قصد التأكد من صحة الخبر من جهة والاطمئنان عليها من جهة أخرى، ولما وصل إلى عين المكان سأل موظفة الاستقبال عن رقم الغرفة التي توجد بها سيدة قد أقدمت على الانتحار ونقلتها سيارة الإسعاف قبل لحظات، وأخبرها أنها زوجته وأنها إن ماتت سيسود كل شيء في الكون أمامه ولن يقوى على العيش بدونها، كيف وقد قضى معها أجمل أوقاته وكانت له نعم الزوجة والرفيقة في السراء والضراء؟! -إنه الوفاء ياسادة في أبهى تجلياته-
أخبرته الممرضة أن ثمة سيدتان أتي بهما إلى المستشفى قبل نصف ساعة تقريبا وليست واحدة، الأولى توفيت رحمها الله وقد وضعوها في مستودع الأموات ريثما يأتي ذووها لتسلمها من أجل الدفن، وأما الثانية فحالتها جد حرجة وتدعو للقلق وهي الآن بقاعة الإنعاش بين الحياة والموت.

سألته عن اسم زوجته؟ فأخبرها به، وطلبت منه أن ينتظر قليلا ريثما تذهب لتسأل الطبيب أي السيدتين هي زوجته.
ذهبت وسألت الطبيب بالفعل، وعادت لتجيب الزوج وهو في حالة من الهلع والتوتر والقلق… -وحده الله يعلم حاله- فأخبرته أنه ولحسن الحظ ليست زوجته من ماتت، بل هي في قاعة الإنعاش…

اختلطت عليه الفرحة والصدمة، فلم يعرف حينها هل يحمد الله لأن زوجته لازالت على قيد الحياة؟ أم يحزن لأن زوجته بين الحياة والموت؟! وقد يأتيه خبر وفاتها في أي لحظة!.
وماهي إلا دقائق معدودة حتى سمع إحدى الممرضات تصرخ بشدة وكأن صرصورا قد مر من أمام قدميها وهي تنادي الطبيب الذي يسهر على حالة الزوجة مرددة: أيها الطبيب المريضة في حالة حرجة، المريضة في حالة حرجة…!

لم يتمالك نفسه وهرول يريد الدخول عند زوجته، لكن الطبيب كان له بالمرصاد ومنعه من ذلك، وقال له: اهدأ يا رجل، نحن سنقوم بواجبنا وندعو الله أن يمر كل شيء على خير.

ظل ينتظر في الخارج بأعصاب مشدودة أمام قاعة الإنعاش ولسان حاله يقول لماذا انتحرت؟ كيف لي أن أعيش من دونك؟ وكيف يقوى لساني على إخبار أبنائنا بذلك؟! ظل يدعو الله ويتوسل إليه أن تتجاوز مرحلة الخطر وأن يتجاوز عنها فعلها الشنيع هذا! الذي يجهل السبب الذي جعلها تقدم عليه! لا سيما وأنهما كانا يعيشان في سعادة وهناء ولم يتوقع يوما أنها ستقوم بهكذا فعلة!
مرت ربع ساعة وكأنها الدهر، خرج الطبيب أخيرا وقد أنقذ الموقف ولو نسبيا! وأخبره أن زوجته تحتاج إلى عملية خلال الأربع وعشرين ساعة المقبلة ومصاريف العملية 5 ملايين سنتيم، وإن لم تقم بها ستموت حتما الشيء الذي لا نريده!
المسكين لا يمتلك كل هذا المبلغ ومن أين له أن يحصل عليه؟… فكر بأن يتصل بأصدقائه الذين كان يعدهم بعدد خصلات شعره إلا أنه وبعد محنته هاته تبين له أنه أصلع! فكلما اتصل بأحدهم قصد المساعدة قدر المستطاع إلا وتأسف وأخبره أنه لا يقوى على المساعدة، منهم من اعتذر لأسباب حقيقية منعته من ذلك من قبيل ظروف مادية حرجة مثلا! ومنهم تحجج بأسباب واهية!
تبادرت إلى ذهنه فكرة جهنمية بعدما يئس من الحصول على كل هذا المبلغ وهذا ما جعله يجرؤ عليها، وهي السطو على أحد الأبناك عند حلول الظلام والكل نيام، إلا أن أناه الأعلى وإيمانه الشديد بالله عز وجل جعلانه يتراجع عن فكرته بالإضافة أن والديه لم يربيانه على السرقة ولو في أقسى الظروف!
فجأة خطر بباله أن يبيع المنزل من أجل توفير المبلغ المطلوب ويذهب ليعيش مع أمه التي بلغت من العمر عتيا هو وأبنائه وأن تلتحق بهم زوجته ريتما تتعافى.

فكر في بيع المنزل بثمن بخس ليغري الشاري فكما يقول المثل “مجبرأخوك لا بطل” فالأهم بالنسبة له الآن هو تجرى لزوجته العملية في أسرع وقت!
قام بالتقاط بعض الصور لمنزله من الداخل والخارج ونشرها بإحدى المجموعات على مواقع التواصل الإجتماعي المتعلقة بالبيع والشراء وأرفق قصته مع المنشور مخبرا إياهم أنه يريد بيع المنزل في أقرب وقت ممكن!
وماهي إلا ساعات قليلة حتى اتصل به أحد الأشخاص وأخبره أنه رأى منشوره بالمجموعة وقرأ قصته كاملة وتأثر أيما تأثر فقرر أن يتكلف بالعملية لزوجته دون الحاجة لبيع المنزل، وطلب منه حذف المنشور من المجموعة كما طلب منه رقم حسابه البنكي ليرسل له المبلغ المطلوب. شعر بفرحة غامرة في تلك اللحظة ولم يعرف كيف يتوجه بالشكر للسيد المحسن!

أرسل له الرجل المبلغ المطلوب بالفعل وقام بتسليمه هو الآخر للطبيب ليقوم بالعملية لزوجته دون مزيد من الانتظار! وبعد بضع ساعات من إجراء العملية خرج الطبيب من قاعة العمليات وتوجه للزوج وأخبره -وليته لم يخبره- وعيناه تمطر دموعا أن العملية باءت بالفشل وأن زوجته توفيت رحمها الله، وبذلك يكون توفي معها السر الذي جعلها تقدم على الانتحار!
ولكم أن تتصوروا كيف تلقى الزوج خبر وفاة زوجته بل وأن تتصوروا حياته بدونها هو وأبناؤه!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *