السياسة والكذب

الإنسان حيوان كاذب

لحظة تعريفنا للإنسان بأنه حيوان ناطق أو حيوان اجتماعي أو سياسي لا بد أن ننتهي عند حقيقة واحدة وحيدة ألا وهي أنه حيوان “كاذب“. فالكذب صفة ملازمة للإنسان، وقد شكلت السياسة مجالا خصبا لممارسة هذه الصفة بكل أوجهها وأبعادها. إن الحيوان لا يحتاج إلى دولة أو إلى سياسة لأنه يعيش وفق الطبيعة الحرة التي خلقه الله عليها المقيدة بقوانين الطبيعة، ومن ثم فهو لا يحتاج لتقديم وعود ولا لتزييف حقائق لكي يكسب منصبا يعلي من شأنه.

في المقابل، ومنذ أن انتقل الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع والدولة وذاق نكهة فاكهة السلطة التي قسمت البشر لحاكم ومحكوم، فقد دفعه ذلك لفعله المستحيل من إطلاق وعود وعدم الوفاء بها وكذا إخفاء الحقائق أو تزييفها للآخر من أجل الوصول إلى السلطة، ومن هذه الجهة فالإنسان حقا حيوان كاذب.
يبدو لنا أن الكذب صفة ضرورية لوجود الإنسان وحفظ حياته، ونجد لهذا جذورا عند الفيلسوف فريديريك نيتشه الذي استفاض حديثا في هذا المجال؛ والذي اعتبر أنه لولا المفاهيم الخاطئة والصور المبهمة والأحلام اللاواقعية والاستعارات والمجازات المزيفة لما كان للحياة معنى.

خاصة الأساطير القديمة التي لعبت دورا مهما في تلقين الإنسان والإجابة عن الأسئلة المرهقة والوجودية التي تراوده كسؤال: من خلق العالم؟ من أين أتى الإنسان؟ ما هومصيري وما قدري؟ و قد شكلت الأسطورة أنذاك مصدرا خصبا تروي به الشعوب والأمم ظمأها. كالإعتقاد بأن “نانابولوك” هي خالقة الشمس والقمر وهما على التوالي “ماوو Mawo” و “ليزا Lisa” اللذان خلقا بدورهما العالم حسب الأساطير الإفريقية، أو أن أصل الكون انطلق من بيضة The Cosmic Egg – طبقا للأساطير الصينية- التي فقست فازداد “بانكو” الذي خلق السماء والأرض والجنة و النار بعد 18000 عام من ولادته بمساعدة طائر العنقاء The Phenix، الحصان الأسطوري وحيد القرن The Unicorn، والتنين The Dragon والسلحفاة The Turtoise، هي كلها أساطير شكلت المصدر المعرفي للإنسان قبل أن تظهر الفلسفة وتبين بطلانها.


أن تقول ما ليس حقا، أو ما لا نؤمن به أو ما ليس موجودا يجعل الإنسان ينفك من قيود الحياة واكراهاتها إلى عالم الحرية، ويبين للإنسان أنه قادر على الخلق والإبداع وتجاوز ما هو كائن إلى ما هو غير كائن وما ينبغي أن يكون. وسبق أن أشرت أن الكذب له علاقة وطيدة بالسياسة، ما جعل العديد من الفلاسفة يضعون الكذب موضع نقاش وسجال، والتنظير لما يسمى: تاريخ الكذب، كما أشار كويري، الذي لاحظ “ أننا لم نكذب قط بالقدر الذي نكذب به اليوم، كما اننا لا نكذب بهذا النحو السفيه والنسقي الراسخ كما نكذب اليوم“. الملاحظة نفسها ستعاد على لسان الفيلسوفة حنا ارندت التي ميزت بين مرحلتين مهمتين في تاريخ الكذب : المرحلة الكلاسيكية،والمرحلة المعاصرة،هذه الأخيرة التي أضحى فيها الكذب معولما من خلال ثقافة الصورة والإعلانات والدعايات التي تبث في التلفاز ووسائل التواصل الإجتماعي.
إن أهم ما يميز السياسة هو أنها قائمة على برامج ومشروعات مجتمعية متصارعة تقودها الأحزاب السياسية أو أفراد بعينهم، ومن ثم فالسياسة هي ذاك الصراع القائم بين قوى مخالفة هدفها الإستيلاء على السلطة وتولي مقاليد الحكم. ولهذا يجب على السياسي أن يمارس كل ما لديه من قوة للتغلب على الخصم، هذا ما يجعل السياسة وجه من وجوه الحرب التي يكون رهانها الوحيد هو الانتصار. ولما كانت الحرب تفترض ممارسة الخدعة والمكر لتحقيق النصر، فإن السياسي -مثله مثل المحارب- مضطر لممارسة كل ضروب الكذب من مكر وخذاع وإخفاء الأسرار،كما أكد نيكولا ماكيافيلي: السياسي لا ينتصر بالقوة فقط، لكن بالحيلة والخدعة ايضا، يجب أن يكون أسدا و ثعلبا معا. والجدير بالذكر أن قوة السياسي تتجسد بمقدرته على الفعل، عبر خلق المشاريع التي تبتغيى تنمية المجتمع وإشراك المواطن –خاصة الشباب- في اتخاذ القرار. هذا ما يجعل موضوع السياسة هو الحقيقة الفعلية التي ترتبط بكل ما هو محسوس ومؤثّر، هي حقيقة ذات معايير خاصة ومبادئ مميزة تختلف عن الحقائق الدينية والأخلاقية والعلمية، إن الحقائق السياسية تقتضي التوافق عبر النقاش والمشاورة وذلك لإستجابتها لأكبر قدر من الجمهور.

من هذا وذاك فالحقيقة السياسية تمتاز بالمبادرة على تغيير المعطيات والحقائق باسم الإصلاح والتغيير والتجديد. والسياسي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يغير منحى الدولة وتاريخها، كما هوالحال مع نابليون بونبارت، باسمارك، أتاتورك… . بيد أن هذه الحقيقة دائما ما ترتدي قناع الكذب وكأنه ذلك المحرك الذي بدونه لا تستطيع عجلة السياسة أن تدور وتتحرك.

السياسة والكذب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *