“كورونا” الامتحان الأصعب

هل نجح المغرب والعالم في احتواء الأزمة؟

في 11 من مارس من العام الجاري (2020) تم تصنيف فيروس كورونا _كوفيد 19 من طرف منظمة الصحة العالمية كجائحة عالمية، هذا الفيروس الذي تم اكتشافه في أكتوبر 2019 بمدينة ووهان الصينية، خرق المعتاد وما فتئ ينتشر بين البشر غير آبه بالحدود الجغرافية، ففي فترة وجيزة سجلت عدة بلدان في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وصول حالات حاملة للفيروس، لكن اكتشاف هذه الحالات لم يكن في الوقت المناسب نظرا لخاصية الفيروس الذي لا تظهر أعراضه إلا بعد مدة، إذ أن فترة حضانة الفيروس تتراوح بين 5 و 14 يوما وبالتالي يصعب التأكد من الحالات الواردة بسبب عدم ظهور أية أعراض.
هذا الانتشار السريع للوباء ما لفت أن شكل مصدر قلق للحكومات والدول، وكثر القيل والقال وتبادلت بعض الدول أصابع الاتهام بينها وتعددت السيناريوهات المتنبئة بسبب انتشار الفيروس وظهوره، في حين سارعت دول أخرى في محاولة منها لقراءة الوضع السائد لتتبنى استراتيجيات لمواجهة الجائحة من خلال تعليق الرحلات من وإلى أراضيها وإجلاء مواطنيها وإغلاق حدودها البرية والجوية وحتى البحرية.

و كان المغرب من الدول السباقة التي تعاملت مع هذه الجائحة بحنكة وعقلانية من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير لمحاصرة الفيروس من ناحية والحفاظ على سلامة وأرواح مواطنيها داخل وخارج تراب المملكة، ففي الفاتح من فبراير 2020 واستجابة لنداءات المواطنين المغاربة العالقين في مدينة ووهان عمل المغرب على إرسال طائرة من نوع بوينغ 8-787 لإجلاء حوالي 167 مواطن مغربي أغلبهم من الطلبة، كما حرص المغرب على الاستفادة من التجارب الفاشلة لبعض الدول في تعاملها مع تداعيات فيروس كورونا، وذلك من خلال اتخاذه لمجموعة من الإجراءات الوقائية للحد من تفشي الفيروس، فالحكومة المغربية وفي وقت وجيز أعلنت مجموعة من القرارات ذات الطابع الاحترازي، كان أبرزها إغلاق الحدود البرية والجوية بشكل تدريجي بداية مع أقرب دولتين (الجزائر وإسبانيا) لتصل بعد حوالي 3 أيام إلى الإغلاق الكامل للحدود وتعليق جميع الرحلات، كما سارعت الحكومة إلى تعليق الدراسة واعتماد نموذج التعليم عن بعد في وقت لم تتعدى الحالات المصابة بالفيروس 7 حالات، قبل أن يتم إعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب في 20 مارس، في وقت كانت تسارع فيه وزارة الصحة والمصالح المختصة على تتبع الحالات الحاملة للفيروس وتتبع المخالطين وعزلهم.

ومن بين أهم الإجراءات التي تم اتخاذها خلال هذه الظرفية، إنشاء صندوق خاص لتدبير جائحة كورونا بمبادرة من الملك محمد السادس وذلك يوم 17 مارس المنصرم، هذا الصندوق المخصص بالأساس للتكفل بالنفقات المتعلقة بتأهيل الآليات والوسائل الصحية واقتناء المعدات اللازمة لعلاج الأشخاص المتضررين من الفيروس وكذا تخصيص تعويض للعائلات المتضررة من هذه الجائحة، بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات التي جعلت المغرب يعكس صورة البلد القادر على احتواء الأزمات من خلال تظافر جهود رجالاته، وهنا أقتبس من تدوينة للأستاذ “عبد العزيز قراقي” على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مفادها أنه اليوم نشهد انتقالا من الدولة المتدخلة إلى الدولة المنقذة l’état sauveur.

إن الخطوات التي أقدم عليها المغرب في تعامله مع هذه الأزمة التي يشهدها العالم أبانت على نضج كبير في التعامل والتخطيط والاستفادة من التجارب، كما أبرزت البعد الإنساني لدى الشعب المغربي الذي أبان على كرمه وتضامنه في الكرب قبل المسرة، في وقت لم يشفع لكبريات الدول لا اقتصادها ولا ترسانتها العسكرية ولا ثرواتها الطبيعية، فالعامل البشري وبالتجربة هو وحده القادر على التعامل مع الأزمات والتخفيف منها.

إن جائحة فيروس كورونا شكلت امتحانا صعبا للعالم خصوصا في ظل جو من الاحتقان والتسابق وتوالي الأزمات، ولنا في الصراع الصيني الأمريكي مثال، وفي الأزمة في إيران، وفيما تشهده بعض بلدان الشرق الأوسط من حروب وأزمات… وغيرها، هذا الواقع الذي يجعلنا نتساءل عن سيناريوهات مستقبل الأيام؟ وعن ما بعد الجائحة؟ وهل يمكن القول بأن المغرب كان ناجحا في التعامل مع هذا الامتحان ؟ ….إلخ، كلها أسئلة إجاباتها رهينة بالغد، لكن ما تم تحقيقه ينم عن نضج وعن استخلاص للدروس والعبر، وهذا أمر مبشر رغم عتمة المستقبل !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *