مشروع القانون 20 22

انكشاف عورة الأحزاب السياسية !!

الجدل المحتدم خلال الفترة الأخيرة بين أحزاب التشكيلة الحكومية ومعها جزء من أحزاب ما يسمى بال”معارضة” حول ما بات يعرف بمشروع قانون 20-22، بل والسعي إلى التملص من مسؤولية إطلاق هذا المشروع/المسخ القانوني، هو زيادة تأكيد على أن الأحزاب المغربية تخلت عن آخر رابط  لها بالمجتمع، فبعد أن فقدت صفة مؤسسات الوساطة بين الدولة والأمة نتيجة تخليها عن مصداقيتها ومن ثمّة أسباب وجودها٬ ارتباطا بما راكمته من إفلاس أخلاقي٬ أكدته مسارات العمليات الانتخابية التي شاركت فيها ووعدت وتعاقدت مع الشعب من خلال برامج انتخابية ادعت الالتزام بتنزيلها على أرض الواقع، والحال أنه بعد ظهور النتائج يكون الانقلاب على إرادة واختيارات الأمة في سلوك كله صفاقة.

وهاهي اليوم تؤكد (الأحزاب السياسية) أنها أصبحت في عمومها مجرد أدوات “وسخة” في يد مافيات اقتصادية “مقننة” ولن أقول لوبيات، لضرب آخر قلاع الحقوق والحريات بدعمها المباشر أو سكوتها المتواطئ، فبدل أن تكون الأحزاب السياسية، وهو دورها الدستوري والمجتمعي، المؤسسات السياسية الساهرة على تكوين وتأطير وحسن تمثيل الأمة عبر ممثليها داخل المؤسسة التشريعية بغرفتيها، ها هي تصير، في عمومها وأغلب مكوناتها، مجرد أداة مقيتة مساهمة وبشكل فعال في ضرب الحريات وتلجيم الأصوات، ما يعني ضرب كل المكتسبات الحقوقية التي راكمها المغرب على مدار عقود من الزمن بفضل نضالات وتضحيات هامات نضالية وقيادات وزعامات سياسية وطنية آمنت حتى النخاع بعقيدتها الحزبية وبدرجة أكبر وأعمق بمشروعها المجتمعي المعتمد كأساس على إقرار الحقوق الأساسية والحريات كما هو متعارف عليها كونيا، حسب الوارد في مقتضيات ومضامين الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

والمعلوم أنه انطلاقا من العناصر التي حددها دستور 2011، تم الأخذ بعين الاعتبار في القانون التنظيمي رقم 11-29 المتعلق بالأحزاب السياسية، تحيين المقتضيات المرتبطة بتعريف الحزب وأدواره من خلال توسيع هذا المجال ليشمل مجالات التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة وتأطير المواطنين والمواطنات وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة العامة٬ فأين نحن من مضامين الوارد في الدستور المغربي فيما يتعلق بالأدوار المنوطة بمؤسسة الحزب كهيئة مجتمعية للوساطة بين سلطة النظام السياسي الحاكم من جهة وسلطة الأمة من جهة ثانية؟

تجدر الإشارة٬ على مستوى السياق التاريخي٬ إلى أن المملكة المغربية تعتبر من الدول العربية القليلة التي تبنت قبيل وبعد الاستقلال مفهوم التعددية الحزبية، كمكون “بنيوي” في المشهد السياسي العام، لمواجهة مظاهر القصور والضعف التي ميزت المعطى السياسي للدولة “الحديثة”، وبناء مشروع مجتمعي لمغرب الغد. وقد شهدت الساحة السياسية الوطنية حقا فعالية حزبية بالغة الأهمية في العقود الثلاثة التي تلت الاستقلال، سواء تعلق الأمر  بالمساهمة الملموسة في نشر الثقافة السياسية الرفيعة وتكوين المواطنين وتأطيرهم وتوعيتهم بواقعهم والعالم المحيط بهم، أوتعلق الأمر بالدفاع عن الطبقات الشعبية المحرومة، والوقوف في وجه أصحاب القرار ومواجهتهم بقدر كبير من النضال والتضحية ونكران الذات. وكان من المفترض أن يشكل هذا السبق “الاستثنائي” تمهيدا وتأسيسا لإرساء تجربة حزبية ديمقراطية عربية نوعية، قد تتخذ نموذجا يحتذى به في باقي الأقطار العربية، ومثالا متفردا يمنح عناصره الوجودية من سجل الديمقراطية الكونية والقيم الإنسانية المشتركة .. غير أن كلا من ذلك لم يحدث، فما السبب!؟

يقر أغلب المختصين في الشأن الحزبي وخبراء العلوم السياسية٬ بأن أصحاب القرار تمكنوا من تحجيم الهياكل الحزبية وتقليم أظافرها وتجريدها من “أنيابها”، أثناء سنوات الرصاص والتجاذبات السياسية والصراع على تقاسم السلطة، وذلك عبر وسائل بالغة الخطورة أقلها أسلوب الترغيب والترهيب والاختراق والانشقاق .. بيد أن تراجع الأداء الحزبي المغربي في العقدين الأخيرين يعود أيضا وربما بدرجة أكثر حدة إلى الهيئات الحزبية نفسها، التي رضخت بإرادتها لمسلكيات سياسوية هجينة، وفضلت الانشغال بالمصالح والقضايا الضيقة على حساب القيم والمبادئ الوطنية النبيلة التي لطالما تشدقت بها وظلت تدعو إليها في كل مناسبة٬ من قبيل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية .. ومعلوم أن الفضاء السياسي المغربي الراهن يضم ما يناهز 35 “حزبا” ! الغالبية المطلقة منها نكرة غير معروفة من قبل الشارع المغربي ولا يسمع عنها إلا أثناء “الحملات الانتخابية ” و”الاستحقاقات” البرلمانية والجماعية، وبالتالي فهي عبء على كاهل الوطن، وتشكل أبشع مظاهر الاستنزاف المادي (ميزانية تمويل الأحزاب سنويا وخلال فترات الحملات الانتخابية) ومعنوي (هدر الزمن السياسي )، وقد تأكد أن ما يسري توصيفا على الأحزاب المغربية والمشهد السياسي المغربي هو قول أحد سادة قريش خلال جمع ضم كبراء قبائلها في دار الندوة (برلمان قريش)٬ عندما لخص الجدال وتضارب الرؤى بقوله : « الويل ويلات وليس في الويلِ ما يختار ».

هنيئا لنا بأحزاب من طراز: “المواطن_مجرد_صوت_انتخابي”..


تنويه : الآراء الواردة في التدوينة أعلاه تخص صاحبها فقط ولا تتعلق بأعضاء مدونة زوايا أو غيرهم بأي شكل من الأشكال. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *