الدولة هي كل شيء “الجزء الأول”

الدولة من زوايا نظر متعددة

قد عرف مند زمن بعيد الدور المكفول للدولة وما يجب أن تفعله تجاه رعيتها، بغض النظر عن طبعيتها وطريقة بنائها واشتغالها وكيفية تداول السلطة فيها وبها، غير أن هذا الدور يختلف من زمن لآخر ومن فلسفة لأخرى ويتناسب بطريقة اطرادية مع مدى شرعية هذه الدولة واكتسابها لمشروعية الدولة. فالحديث عن الشرعية، يعني الحديث عن مدى مطابقتها لإرادة الطبيعية لرعايتها، والحديث عن المشروعية يعني مدى احترامها لسلطها والقوانين المنظمة لها، والجمع بين السلطة والقانون، ومن ثم امتلاكها للسيادة .
ويقصد بذلك حسب الفيلسوف الفرنسي جان بودان Jean Bodin في معناه الأول: أنها تملك السلطة المطلقة على رعاياها في الداخل، وفي معناه الثاني: أنها لا تخضع لسلطة أعلى منها في مجتمع الدول، وقد عبر الفيلسوف الألماني “ رودولف فون أهرناك بقوله: ميزة الدولة هي أن تكون سلطة تعلو على كل إرادة توجد على إقليم محدّد، وبالتالي فالدولة هي كل شيء، يعيش الفرد من أجلها، ويضحي من أجلها…
قد عرف مفهوم الدولة بدوره تطورا مند زمن بعد بدءاً ” بالإمبراطورية”، “والسلطنة”، “والممالك”، ووصولا إلى مفهوم الدولة الحديث، التي أنشئت عقب انتهاء الحروب الدينية التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاما في محاولة لفصل الدين عن الدولة والهيمنة الدينية (الكنيسة) على دواليب الدولة، وتغيير الحكام وفقا “للإرادة إلاهية”، ليتوج ذلك كله بعقد اتفاقية وستفاليا في أوروبا عام 1648 .
والدولة في مفهومها الاجتماعي، هي نوع خاص من المعيشة المشتركة، بحيث يتألف من الأفراد “كل” يضمهم جميعا وهذا “الكل” ليس فقط حاصل جمع فرد، لأن مجرد اجتماعهم يخلق فيهم “وحدة” تسيطر عليهم، وهذه الوحدة “أسمى مبدأ لوجودهم”، ويتجلى الفرق بين الدولة والفئات الاجتماعية الأخرى بتنظيمها المحكم للسلطة.
فالدولة لها غاية وحياة خاصة بها، لدى لكل عضو منها حياة خاصة به، وهامش من الحرية يفعل به ما يشاء، وفق إطار قانوني، ولكل فرد الحق في خلق سعادته، وعلى الدولة أن تعي بذلك، وتسعى إليه.
وباعتبار أن الدولة كيان اجتماعي فعليها أن تحرص على مصالحهم الاجتماعية بتحقيق الخير لهم، على اختلاف أشكاله وطرقه، فالعناية بالفرد الواحد هي العناية بالكل، ومساعدتهم على اكتساب الفضائل والعدالة ومزاولتهما في الميادين الحياة الخاصة والعامة، فيصبح المواطن مدركا لحقوقه وواجباته، ولا يقتصر دور الدولة على تأمين العيش المادي فقط، بل الروحي والوجداني والعاطفي لكل فرد من أفرادها؛ حتى ينعم كل فرد بما تنعم به الجماعة من الطمأنينة والسكينة والسلام…
فكل فرد يعتبر جزءا من الدولة هي منه وهو منها، وهنا ليس ماقاله اليوس الرابع عشر: “L’État, c’est moi ” أي “الدولة هي أنا، وأنا هو الدولة” وإنما بفهوم الوطنية، فغاية الدولة أسمى من الاجتماع للحافظ على الذات، أو بغية أهداف خاص لتجميع المال. إن الدولة ليست فقط من أجل العيش في سلام ، بل العيش السعيد..
وللدولة أن تضع نظاما تربويا صالحا لإعداد مواطن صالحا، فينشأ الفرد على قيم المواطنة والفضيلة واحترام القانون، وهي مدرسة المواطنين من مهدهم إلى لحدهم تدربهم على قيم الفضيلة .. بدل الفظيعة، وتدربهم على فعل الخير حتى يبلغوا كمال العقلي والفكري والخلقي والجسدي، وعلى ذلك فطاعة الدولة واجبة، وبقوتها تفرض حكم القانون الأمن العادل الصالح لذي يمثل العقل غير المتأثر بشهوات والمصالح التي يكون الفرد فريسة لها.
وواجب المشرع الحكيم العادل المستقيم الفاضل – الذي صنعته الدولة – التأمل مليا في كيفية دمجهم في المجتمع خدمة لأنفسهم وأسرهم ثم دولتهم، لتحقيق السعادة الكاملة لكل فرد من أفراد الدولة. فالسياسي المتبصر الحكيم يستطيع أن يوفر وسائل التسير أمور الدولة كما يتتطلب أفراد الدولة، وينضبط بالقانون. فالحاكم الذي لا يحترم القانون كالطبيب الذي يعالج المرضى وفقا لأهوائه ونزواته غير متقيد بالمبادئ الطبية العلمية السليمة.
وعلى النقيض، للدولة أعمال أخرى تقوم بها لغاية في نفس يعقوب، وقد تفضل أرسطو بذكر الكثير منها: إن الوسيلة الأولى تقوم على بث البغضاء والأحقاد بين المواطنين، تعمل على تحريض الطبقات على بعضها البعض ببراعة، فالطاغية يبذر الخلافات بين الرعايا ليفقدوا ثقتهم ببعضهما البعض، ويشيع الريبة فيما بينهم من أجل تجنيب حبك المؤامرات التي تتطلب ثقة متبادلة بين المتآمرين، يذل النفوس ويشن الحرب على الشرفاء ويطاردهم ويقصيهم لخطورتهم في المجتمع، ويشعل الحروب من وقت لآخر ليقضي على نشاطات المواطنين ويشعرهم بضرورة وجوده وحاجتهم إلى القائد العسكري ليرد العدوان عنهم ويحمي ممتلكاتهم… يعمل على إفقار المواطنين ليلهيهم بكسب العيش وتحصيل القوت كي لا يبقى لديهم متسعا من الوقت للتفكير بتآمر عليه.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *