إن تعفوا وتصفحوا

عن قيمة العفو والصفح في استلال سخيمة الصدور

يعتبر العفو والصفح من الأخلاق الحميدة التي ترسخ في نفس الإنسان فتصدر من خلالها أفعال حسنة وتدر الخير لمن يتحلى بها.

ألا إن الصفح أبلغ من العفو، فهذا الأخير يعني تجاوز الخطأ مع إبقاء أثر ذلك في النفس، بينما الصفح يقتضي الأمرين معا؛ عدم المؤاخذة ومحو أثر الخطأ في النفس. ولعل مصلحة الإنسان تقتضي أن يعفو ويصفح فذلك خير له، ليس من منطلق كسب الثواب الرباني وإنما لما في ذلك من منفعة دنيوية قبل أن تكون أخروية.

يقول الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَي اَ۬للَّهِۖ} (سورة الشورى – الآية 37)  وقال أيضا: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ} (سورة النور – الآية 22)

وقد أشار العلم الحديث إلى العلاقة الوطيدة بين العفو والصفح وبين صحة الإنسان، وذلك بناء على أبحاث عديدة أكد فيها الأطباء مدى النفع الجسدي والمعنوي الذي يجنيه من يعفو ويصفح . [1]

إن البغض وعدم العفو والصفح من المشاعر السلبية التي تؤثر على مسار طاقة الحب الطبيعية الموجودة في جسم الإنسان فتتغير طريقة إفرازه لمواد كيميائية وتتعطل الموجات الكهربائية في الدماغ، وهذا ما يشوش على قدرته على التفكير بصورة أوضح من أجل اتخاذ قرارات صائبة. إن ذلك التوتر المستمر الذي يسببه لنا عدم الصفح ينهك جهازنا العصبي ويزيد من نسبة الإصابة بالصداع وآلام المفاصل والدوار وكذا الإحساس بالإرهاق والتعب.

يقول مايكل باري في كتابه عن علاج الأمراض السرطانية :“إن فقدان القدرة على المسامحة هو في حد ذاته ظاهرة مرضية تؤثر سلبا على الصحة ، خاصة إذا كان المرء مصابا بأحد الامراض المزمنة “، ويضيف: “أنه من المثبت علميا أن التوتر العصبي نتيجة عدم المسامحة يضر بالجهاز العصبي والاوعية الدموية والشرايين ونظام مناعة الجسم”. وضعف المناعة الناتج عن المشاعر السلبية المدمرة هو أهم عوامل الإصابة بالأمراض السرطانية، والتي يمكننا السيطرة والتحكم فيها عن طريق التفكير الإيجابي والنظرة المبسطة بعيدة المدى لأعقد الأمور، ومن ضمنها العفو والصفح.

عندما نكظم الغيظ ولا نتبعه بالصفح فإن ذلك الغضب الداخلي يقتات خفية من سلامتنا الجسدية والنفسية، وقد يلحق بنا أضرارا لا تحمد عقباها. العفو دونما صفح يجعل من الإنسان عدو نفسه دون أن يدري، فالأشخاص الذين يرفضون الصفح إنما يعاقبون أنفسهم ويدفعون ثمن ذلك من صحتهم وراحتهم.

قد يقول الكثيرون أن الموضوع ليس سهلا بالنسبة لهم ويفوق سعة صدرهم، ونجيبكم ب”نعم” إنه ليس طبيعيا أن تصفح، فذلك فوق الطبيعي، ولكن المصلحة تدعو وتستلزم ذلك، فما كان الله ليقول: {اُ۪دْفَعْ بِالتِے هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَ۬لذِے بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞۖ (33) وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا اَ۬لذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖۖ } (سورة فصلت – الآيتان 33 و 34)

وإنه حقا لحظ عظيم أن يكون لك قلب قادر على العفو والصفح والمسامحة والتجاوز، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة عندما قال بعد فتح مكة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، نعم لقد قالها لقريش التي تآمرت لقتله.

إن العفو والصفح يعطيان شعورا فريدا من نوعه مليئا بالسكينة والحب والحرية والرحمة تجاه ذلك الشخص وتجاه نفسك الضعيفة، وهكذا تصبح حياتك أيسر وأهون، وتحجز لك مكانا في مصاف المتقين لقوله تعالى {وَأَن تَعْفُوٓاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْو۪يٰۖ} (الآية 236 من سورة البقرة).

ختاما، أنصحكم بقراءة رواية “تلك العتمة  الباهرة” للكاتب الطاهر بن جلون، وهي مقتبسة من قصة حقيقية لأحد الناجين من سجن تزمامرت، وسوف تتساءل كيف استطاع الإنسان أن يصمد في تلك العتمة طيلة 18 عاما وهو يرى أصدقاءه يتساقطون واحدا تلو الآخر، كيف ارتقى فوق عذابه الجسيم وكيف قاوم الجوع والعقارب والصراصير والأمراض وكيف استطاع الحفاظ على سلامته العقلية… ستجد أنه تفوق على هذا الظلم والعذاب بقوة روحانياته والتي اقتضت منه أولا أن يتصالح مع ماضيه، الماضي الذي يشمل أبا تنكر له وحكما قضائيا اتهمه بتورطه في محاولة انقلاب لم يكن له يد القرار فيها… نعم، لقد انتصر بفعل قوة العفو والصفح التي صنعت له سلاما هبت معه أنوار أضاءت عتمته  الباهرة.


[1] بتصرف من مقال الدكتور وليد فتيحي من كتاب ومحياي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.