روح تئن لماض قريب

في انتظار الفرج من أزمة كورونا

لقد فقدت الحياة بريقها وأصبح الوقت أملسا لا يدرى زواله من مسائه، ولا تمييز للأيام عن بعضها، صرنا لا نعرف معنى لحياتنا، فبعدما حل بنا ما حل لم تعد أحوالنا على حالها، حياة جديدة اقتحمتنا وأوقعتنا أسرى وراء جدران كانت يوما ما فقط ملجأ لنا بعد ما أضحت الآن سجونا.

قلنا سيأتي رمضان وستزول هذه الغمة، فلا يأتي مع رمضان إلا الخير، لكن جاء رمضان هاته السنة وها هو أوشك على الرحيل ولم تتبدل أحوالنا، كل شيء فقدنا حلاوته، صارت أقصى طموحاتنا أن تعود حياتنا الطبيعية التي لم تكن في الأصل طبيعية، أجسادنا منهكة وأرواحنا تئن لماض قريب لا ندري هل الذي قبل النازلة أم الذي أبعد من ذلك، صارت حياتنا مملة بكل تفاصيلها، ما فعلناه أمس نعيد فعله اليوم وما فعلناه اليوم نعيد تكراره غدا، أصبحت عقولنا حبيسة شاشة صغيرة ممسوكة بأيدينا صباح مساء، لم يعد العالم الافتراضي افتراضيا في زمن النازلة بل صار عالما نراه حقيقيا وملاذا لتزجية أوقاتنا الطويلة من خلاله، لم يعد يهمنا الصالح فيه والطالح، صارت عقولنا تقبل كل شيء ولا تقبل أي شيء، مناعتنا الفكرية أنهكتها عولمة شرسة ألقت بنا بين براثين الحضارة الاستهلاكية، صرنا نعرف طبيعة الأخبار التي ستنشر حتى قبل نشرها، قادتنا أذواقنا لحب التفاهة وكره التافهين.

وبين واقع افتراضي وواقع معاش هناك روح أنهكها التعب في زمن كورونا، روح تسكن ذاك الإنسان المقهور والمقموع، ذلك الإنسان الذي لا يستطيع الاحتجاج والتمرد، أو حتى لا يستطيع الجهر بالشكوى، يعيش مأساته من خلال جسده الحامل للآثام والآلام والمآسي جميعا، ذلك الإنسان الذي أوقفه الوباء عن الإتيان بقوت يومه، أغلق عليه بابه منتظرا رسالة نصية تفرج بعضا من كربه وتقضي جزء من حوائجه، وهو في ذلك ممتثل خاضع للأوامر الصادرة.
بالمقابل، هناك روح عدوانية لا تعترف بالقوانين ولا بالأوامر، هذه الروح العدوانية تنخر وجود الإنسان المقهور عموما وتنخره أكثر فأكثر في العالم المتخلف وهي عبء وتهديد للتوازن النفسي، ودافع للإقدام على العديد من تصرفات تدمير الذات، كما أنها في الوقت نفسه دفاع وانتفاضة ضد التهديدات التي تأتيه من الخارج؛ هذه الروح العدوانية تظهر أكثر صراحة من حيث توجهها ضد المتسلط، من خلال ظاهرة تخريب الممتلكات العامة التي تلاحظ في الطرق مع أن الفائدة المباشرة من هذه الممتلكات تعود على هذه الروح العدوانية قبل غيرها، إنها في عملها هذا تهاجم رموز المتسلط، لإحساسها بأن ما هو عام ليس ملكها، والواقع أن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده، يحس بأنه لا يملك شيئا، حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو، ذلك أن الهوة كبيرة جدا بينه وبينها وأن ما يستحقه من خدمات وتقديمات، تقدم له كمنة أو فضل، لا كواجب مستحق له، عندما لا يمتثل للأوامر فهو أولا وقبل كل شيء يعبر عن عدوانيته تجاه المتسلط، متمسكا في ذلك بقاعدة “أمرني بالمستطاع حتى تطاع”.

فيروس لعين لا يرى بالعين المجردة أعادنا للصفر وبعثر أوراقنا لم يعد لنا تصور معين حول المستقبل، فقدنا تركيزنا وجمدت عقولنا، صرنا نمشي في طريق مظلم لا ترى معالمه، مشاعرنا تشتت بين الانتظار والخوف من مستقبل مجهول؛ { وَإِنَّا لَا نَدْرِےٓ أَشَرٌّ ا۟رِيدَ بِمَن فِے اِ۬لَارْضِ أَمَ اَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداٗۖ}.

روح تئن لماض قريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *