“التغذية بين الأصول والمآل” الجزء الثاني

إرادة إنسانية أم استراتيجيات نباتية؟

تطرقنا في الجزء السابق لتدخل الإنسان الذي شكل عاملا أساسيا في تغير نوع الطماطم الأصلي لما هي عليه اليوم من حجم وشكل ولون ومذاق. لكنها ليست هي الوحيدة التي خضعت لتجارب وتفضيلات الإنسان، بل الفراولة أيضا لم تسلم من ما سميناه سابقا بتحسين النوع النباتي؛ إذ أن أصل الفراولة والمسمى “Fragaria Vesca” كان فائق الحلاوة وصغير الحجم، ولأن الإنسان، ومع كامل الأسف، يهتم لما ترى عينه وينظر أولا للشكل والحجم، فحاول عندها التوفيق بينهما بجمع جينات الحلاوة من جهة وجينات الحجم الكبير من جهة أخرى وذلك باستعمال عملية تدعى “Cross breeding”، لتعطي بعد محاولات وانتقاءات عديدة، الفراولة التي نستهلكها في يومنا هذا والمدعوة “Garden Strawberry” ذات المنسوب السكري المرتفع أيضا، ولكن ليس كحلاوة الأصلي؛ ولك أن تتخيل كيف كان حلوا أنذاك.

بناء على ماسبق ذكره، يمكن القول أن اهتمام الإنسان بالشكل والحجم أكثر من المضمون ساهم -عبر التاريخ- في التخلي على مجموعة من الصفات الطبيعية للفواكه وغيرها.
لكن لم يكن دائما هذا هو المآل، ففي كثير من المرات نجح وبشكل باهر في الوصول إلى جمع الصفات المرغوبة فيها، فعلى سبيل المثال، واحد من أهم المحاصيل الزراعية التي يزرعها الإنسان في عصرنا هذا “الذرة” بإجمالي إنتاج سنوي هائل يصل إلى 1100 مليون طن. فإذا نظرنا إلى أصل الذرة المسمى ب “Teosinta ” فإنه نبات صغير جدا، ورقيق بل وفي أغلب الحالات لايحتوى على حبوب، إضافة إلى هذا يتوفر على غلاف صلب يكاد لاينزع سوى باستعمال الأحجار والحديد، وفي الأخير وبعد كل هذا التعب، فمذاقه سيء وغير مرغوب فيه.

لكن الإنسان المزارع ومنذ عصور خلت، ظل يختار أنواعا معينة من هذه النبتة وخصوصا تلك الطويلة والطرية منها، معتمدا على نوع من أنواع التطور يسمى الانتقاء الاصطناعي “Artificial Selection” حتى تمكن من الحصول على ماتراه اليوم في الأراضي الفلاحية وبالتالي في الأسواق، حيث أن الذرة الحالية تحتوي على منسوب سكر أكبر بأربعة أضعاف عن الأصلي وعلى حجم وطول أكبر بضعفين أو أكثر مما كان عليه.

تجربة البطيخ هي أيضا تدعونا لتأكيد نجاح الإنسان وبشكل باهر، عبر الانتقاء الاصطناعي، في إنتاج بطيخ أكثر حلاوة واحمرارا من البطيخ الأصلي، وذلك لاحتواءه على مادة ” الليكوبين Lycopene” المسؤولة عن اللون الأحمر. فقد كان البطيخ الأصلي، ذي الأصول الإفريقية، يتميز بمزج بين اللونين الأبيض والأحمر، مما يخفض من منسوب السكر الذي يحتوي عليه وبالتالي يعطي حلاوة أقل مما هو عليه الآن.

وجدير بالذكر أن الإنسان مايزال يحاول الحصول على أحجام أكبر عبر مجموعة من الأبحاث والتجارب، مما مكنه من الحصول على بطيخ خال من البذور السوداء التي تعيق عملية الأكل، وهو مايتواجد في الأسواق وخصوصا تلك التي تباع فيها المواد المستوردة.
ولا يمكننا الوقوف عند هذا فقط، فالأمثلة التي أبرزت نجاح الإنسان للوصول إلى المنتوج المرغوب فيه متعددة وكثيرة ومتنوعة كالموز والجزر والباذنجان والبرقوق وغيرها.
فلم يقف الإنسان عند هذا الحد، بل حاول في أبعد من ذلك، إذ تعتبر تجربة “بلمكوت” أو مايصطلح عليه بالدارجة المغربية ب “الشهدية” أكبر دليل على أن عملية تهجين النباتات أحدثت ثورة في عالم البشر وذلك عن طريق مزج البرقوق والمشمش مما أدى إلى ظهور نوع جديد من أنواع الفاكهة، مما جعلنا نصب جل تركيزنا على الأبحاث والتجارب – وخصوصا على مستوى المختبرات- التي تزيد من فهمنا لآليات عمل هذه النباتات.

ختاما، يمكن القول أن الإنسان بطبعه يريد حياة أسهل وأروع، مما دفعه للبحث والمحاولة لأجل توفير هذه الظروف لنفسه بنفسه ولو على حساب الطبيعة أحيانا. فكان له أن حصل على أنواع وأصناف جديدة من النباتات بمواصفات عديدة كالحجم والشكل واللون بل وحتى نباتات مقاومة للأمراض وأخرى بمدد تخزين أكبر وغيرها.
فهل هي فعلا إرادة محضة للإنسان دفعته لإحداث كل هذا؟ أم هي مؤامرة واستراتيجية متبعة من النبتة، كتلك التي تنهجها في حق الحيوانات البرية (الجزء 1) لتضمن انتشارا أوسع واستمرارية أكبر؟

“التغذية بين الأصول والمآل” الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *