ولا تخسروا الميزان

الظلم ظلمات يوم القيامة

يقول الدكتور وليد فتيحي في كتاب ومحياي 2: “إذا انتشر في أرض نزع منها البركات، فقلت الخيرات، وانتشرت الآفات، وغرقت الأرض في ظلمة ويوم القيامة ظلمات، ففيه جماع الآثام، ومنبع كل الأمراض والأسقام والسكوت عنه أكبر جرائم الإنسان في حقه وحق الناس وحق الرحمان، ولذلك شبه الساكت عنه بالشيطان، حرمه الخالق على نفسه ولم يحرم على نفسه غيره في القرآن، ووضع لنا الميزان وحذرنا سبحانه وتعالى فقال في الآية 7 من سورة الرحمان: {وَأَقِيمُواْ اُ۬لْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ اُ۬لْمِيزَانَۖ}.

يلخص هذا المقتطف ما تؤول إليه الحياة التي يسودها الظلم، الظلم الذي يجد طريقه في ظلم المرء منا لربه، لنفسه ولغيره.. وظلم فوق ظلم بجانب ظلم يبني لنا جبلا أسود ينهار على رؤوسنا أجمعين دون أن يميز بين الظالم والمظلوم والساكت عن الظلم.

أن تظلم معناه أن تضع الأمور في غير موضعها، أن تكون عكس قبلة العدل والخير وأن تتعدى الحد الوسط وتتجاوز خطوطا حمراء عدة… فالقتل ظلم، الاغتصاب ظلم، شهادة الزور ظلم، أخذ حقوق الناس قهرا ظلم، التجبرعلى الضعفاء ظلم، العناد الفارغ ظلم، الانحياز والتمييز ظلم، العنصرية ظلم، العنف والتعنيف ظلم، الجفاء ظلم، غياب الاحتواء والرعاية ظلم، الرضا بالذل ظلم، خداع النفس وتوهيمها ظلم، التعصب العرقي والجنسي ظلم، التسلط ظلم، احتكار القرار ظلم، غلاء الأسعار ظلم، البطالة ظلم، الرشوة ظلم، الخيانة ظلم، الاختلاس ظلم، تفقير الناس ظلم، النفاق ظلم… كيف لكل هذه الظلمات ألا تخلف وراءها عيشة ضنكا؟!

والظلم أنواع، كأن يظلم الإنسان ربه  لقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (الآية 12 من سورة لقمان)، أوأن يظلم نفسه لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (الآية 44 من سورة يونس)، أوأن يظلم الآخرين لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} (الآية 13 من سورة يونس).

وللظلم مرادفات عدة، فهو الفساد والخلل والضرر والسوء والدمار والضياع والفتنة والتمزق والهلاك والباطل، ولو سقت لكم كل المعاني البئيسة لن أحيط بكل سلبياته التي تحضر حين يغيب العدل ويحل هو مكانه.

 وقد خلق الله دماغ الانسان وأصل فيه رفضه التام لكل أشكال الظلم، فعندما يرى الدماغ الظلم في أي شيء فإنه يستقبله بأنه تهديد له ولسلامته وكيانه، فيفرز هرمونات التوتر كأنه داخل معركة. ويقول الدكتور ستيفين كوارتز من جامعة كاليفورنيا التقنية :إنه في اللحظة التي يدرك فيها الدماغ أن الوضع الذي يراه فيه ظلما فإنه يرفضه تماما ليقول لا ويتأهب للقتال. وهذا يؤكد أن الدماغ مغروس فطريا بالحساسية ضد الظلم، وأن الجزء العاطفي في الدماغ هو الذي يسيطر فيقول الدماغ كلمته “لا”، بغض النظرعن تبعات الرفض للظلم، فالجزء العاطفي الفطري هو الذي يتحكم هنا، وهذا يفسر قدرة الإنسان العجيبة على رفض الظلم على مر التاريخ الذي يخبرنا أن هناك دوما من يقول لا للظلم، مهما بلغ الظلم من قوة وطغيان وبطش.

ويؤكد العلماء والباحثون الدارسون لقضية الظلم والشعور به، أنه مدمر للإنسان وصحته الجسدية والعقلية والروحية، فهو يؤدي إلى تفاقم الإعاقات والإحساس بالآلام المزمنة والاكتئاب والغضب والأفكار المدمرة وكل الأمراض المرافقة للتوتر على أجهزة الجسم المختلفة.

الظلم والاستقرار لايجتمعان في أي مجتمع من المجتمعات، الظلم وصفاء الذهن لا يجتمعان في نفسية أي فرد من الناس، الظلم يولد العنف والعنف يولد عنفا أكثر منه… الظلم يجلب السخط والسخط شعور لا تحمد عقباه!

ومن هذا كله نستشف أن الظلم يؤذي الظالم أكثر من المظلوم؛ فهو كمرض عضال ينخر النفس ويسلب من الفرد سلامه الداخلي، ولا نننسى أن الله قد أقسم بعزته وجلاله لنصرة المظلوم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة“.

ولا تخسروا الميزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.