القضاء الدستوري وقضائية السياسة “ج 2”

النص القانوني بين البرلمانيين والقضاة الدستوريين

هنا رابط قراءة الجزء الأول

إن وظيفة المراقبة الدستورية، تجعل من المجالس الدستورية مشاركا في مسلسل خلق القانون سواء تعلق الأمر بنموذج المراقبة القبلية أو البعدية، مما يطرح معه سؤال الجهة التي اتخذت فعليا القرار بشأن النص القانوني، هل البرلمانيون (السياسيون) أم القضاة الدستوريون؟

إلى جانب منافسة البرلمان في العملية التشريعية، فإن الفقه القانوني الفرنسي يعتبر بأن القضاء الدستوري يمارس أيضا وظيفة للتمثيل مساوية لتلك التي تتوفر عليها البرلمانات؛ وهي الأطروحة التي يدافع عنها القانوني الفرنسي Michel Troper متخذا كأساس لها الفصل السادس من إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ الذي يعتبر بأن “القانون هو المعبر عن الإرادة العامة“، ليخلُص إلى أنه “… إذا كان القانون تعبيرا عن الإرادة العامة، فإن المساهمين في صياغته ساهموا أيضا في التعبير عن الإرادة العامة“، ويضيف بأن “جميع الأجهزة المساهمة في التشريع تعبر عن الإرادة العامة بغض النظر عن الطريقة التي تم بها اختيار تركيبتها، حيث عدم الحاجة إلى قاعدة الانتخاب للتعبير عن الإرادة العامة … إن مشاركة المجلس الدستوري في المسطرة التشريعية يجب أن تدرج ضمن خانة تمثيل سيادة الشعب، على اعتبار أن المجلس الدستوري يساهم في تشكيل القانون ومن تم في التعبير عن الإرادة العامة”.

من ناحية أخرى، لا يمكن اعتبار القضاء المفسِّر الوحيد للدستور، فهناك مرجعيات سياسية بحكم توليها المسؤوليات تقوم بتفسير النصوص الدستورية (الفاعلون السياسيون)، وكل من يضع نصا دستوريا موضع التطبيق يفسر الدستور في معرض تطبيق نصوصه. والتفسير يمكن أن يتم بالتعاون بين مسؤولين سياسيين في الدولة وجهات قضائية مختصة، غير أن التفسير يبقى مراقبا من قبل جهة قضائية عليا، كما هي الحال في النظام الأميركي حيث إن المحكمة الفيدرالية العليا تأتي على رأس هرم التنظيم القضائي، أو من محكمة دستورية أو مجلس دستوري، كما هي الحال في النظام الأوروبي، حيث إن القضاء الدستوري مستقل عن التنظيم القضائي ولا يشكل جزءا منه.

فـي الحالتيْن، تبقى كلمة الفصل في تفسير الدستور للمحكمة العليا أو للقضاء الدستوري؛ فالفاعل السياسي يعتبر الدستور نتاجا لتوازن معين للقوى السياسية وضامنا لتجانس الشركاء الاجتماعيين، وقرارات القضاء الدستوري يمنح وظيفة جديدة للقانون الدستوري بنقل دائرة اهتمامه من تحديد طريقة اختيار الحكام إلى معرفة مدى تطابق تصرفاتهم مع المقتضيات الدستورية.

يرى الدكتور علي الباز أن “القانون الذي يراقب القضاء دستوريته، تضعه هيئة سياسية ويعبر عن أفكار سياسية، إلا أنه تنبغي التفرقة بين أساس عملية الرقابة القضائية، وهو أساس قانوني، والحكم الصادر فيها وهو عملية الرقابة القضائية. وكذلك، ينبغي التفرقة بين النتيجة المترتبة على الرقابة، وهي الامتناع عن تطبيقه أو إلغائه، وبين ما تحدثه تلك النتيجة من أصداء في عالم السياسة“.

وتبعا لذلك، لا يمكن تأييد من يقول بأن الرقابة لا يمكن أن تكون رقابة قانونية خالصة، وإنما هي رقابة قانونية وسياسية في ذات الوقت، لسبب بسيط هو أن مادة الرقابة ذاتها سياسية بطبيعتها، لأنها تنصب على عمل الساسة المنظمين لشؤون الدولة وهم المشرعون. ذلك لأنه يمكن الرد على هذا الرأي بأن الرقابة لا تنصب على عمل السياسة، وبذلك تكون مادة الرقابة سياسية بطبيعتها، وإنما هي تنصب على النتيجة التي تترتب على هذا العمل، أي على التشريعات (أو القواعد القانونية) ولذلك فإن عملية الرقابة عملية قانونية.

الرقابة -إذن- ليست رقابة على عمل السياسة، وإلا تحولت إلى ما يسمى بـ”رقابة الملاءمة”، وتصبح حتما ذات طابع سياسي، ويصبح دور القاضي سياسيا.

ولكن إذا تجاوز القاضي المجال القانوني إلى المجال السياسي، فقد فرض رأيه الشخصي واتجاهاته السياسية، وهو بذلك يتجاوز المفهوم السليم للرقابة القضائية، وقيامه بالتشريع، أي حلوله محل سلطة السياسة هي السلطة التشريعية، وهذا ما يطلق عليه (التشريع القضائي) أو التشريع بواسطة القضاء، وهو بذلك لا يتجاوز دوره الطبيعي عند مباشرة الرقابة فحسب، وإنما يتجاوز مفهوم الرقابة ذاتها. فإذا ما تعدى القاضي هذا المجال، وباشر رقابة الملاءمة، أو تعدى إطار نصوص الدستور إلى ما يعلوه من مبادئ غير مكتوبة، فإنه يكون بذلك قد أحل نفسه لا محل المشرع العادي فحسب بل محل المشرع الدستوري كذلك. وفي تلك الحالة فإن القاضي لا يعتبر متعديا حدود المجال القانوني إلى المجال السياسي فحسب، بل يعد متجاوزا لمفهوم الرقابة ذاتها، فهو لا يراقب في تلك الحالة دستورية قانون وضعته السلطة التشريعية، بل يقوم بمشاركة السلطة التشريعية في سلطتها والحلول محلها أحيانا، بل والحلول محل المشرع الدستوري ذاته.

ولا شك أن قيام القاضي بممارسة هذا الدور السياسي يخالف مبدأ الفصل بين السلطات. ولا شك أن قيامه بذلك يتعدى الطبيعة القانونية للرقابة على دستورية القوانين و أهدافها، تلك الأهداف التي يأتي في مقدمتها ضمان احترام الدستور وكفالة تنفيذ أحكامه، وكذلك ضمان التطبيق السليم لمبدأ الفصل بين السلطات. فبدلا من أن تكون الرقابة وسيلة لتصحيح مسار مبدأ الفصل بين السلطات، تصبح أداة انتهاك لذلك المبدأ بحلول القضاة محل المشرع العادي والمشرع الدستوري .

وظيفة التشريع مناطة بالبرلمان، وينبغي أن يمارسها كاملة ويذهب فيها حتى النهاية، فلا يجوز له وضع قوانين ناقصة، يترك للسلطة التنظيمية مهمة إكمالها عن طريق المراسيم، وبخاصة القوانين التي ترعى الحقوق والحريات الأساسية وكل ما له علاقة بها، فأمر هذه الحقوق والحريات لا يجوز تحويله من البرلمان إلى السلطة الإجرائية. وهذا إذا ما حدث يؤدي إلى تخلي البرلمان عن جزء من دوره، كما يؤدي إلى قطع الطريق على القضاء الدستوري والحيلولة دون ممارسة رقابته على نصوص تضعها السلطة التنظيمية بدل من أن تضعها السلطة الاشتراعية، ما يقلص دور القضاء الدستوري في صون الحقوق والحريات الأساسية ودور البرلمان في التشريع.

القضاء الدستوري عندما يبطل نصاً قانونياً ترك فيه المشرع للسلطة التنظيمية مهمة القيام بما كان ينبغي على البرلمان القيام به، فإنه يؤدي دورا في حماية البرلمان من نفسه. وهذا ما دَرَج عليه المجلس الدستوري الفرنسي بالنسبة لما يعبر عنه بالفرنسية بمصطلح “incompétence négative.

يُتبع..

القضاء الدستوري وقضائية السياسة “ج 2”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *