الاقتباس المسرحي بالمشرق العربي

رواد المسرح في المشرق

استمد العرب فن المسرح من المسرح الأوروبي، فمهما كانت استماتة البعض كبيرة في إثبات وجود هذا الفن في تراثنا العربي عامة والشرقي خاصة ولكن بشكل مختلف، فإنه سيظل من الحقائق الراسخة أن الدراما العربية الحديثة قد استعيرت من الغرب بشكل فردي، بحيث لم يعرف العرب المسرح بشكله الحديث حتى عصر النهضة وذلك بفعل عوامل الاحتكاك الثقافي والاجتماعي والسياسي، مما انعكس على الحياة الثقافية والفنية والأدبية العربية. ومن الحقائق التي لا مفر لها من الاعتراف بها أيضا، الارتباط الوثيق للترجمة والاقتباس بدخول المسرح الأوروبي وتأثيره على الأدب العربي، وفي هذا الصدد يقول توفيق الحكيم: “لا سبيل إلى تأصيل المسرح في أدبنا العربي الحديث إلا بالعودة إلى الموروث اليوناني القديم ومزجه بقيمنا الروحية الشرقية”.

ازدهرالمسرح المشرقي مع بدايات تعرف العرب على الشكل المسرحي الأوروبي، وقد حدث هذا تحديدا مع لبنان لكونها أول بلاد عربية شرقية تتصل اتصالا كبيرا مع الغرب، حيث ساهم هذا الاتصال ببروز فن المسرح عند المشارقة، فأول من أدخل هذا الفن هو “مارون النقاش” (1855-1817) الذي اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها سنة 1841 وبدأ تمثيله باللغة العربية الدارجة أي (اللبنانية)، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها لجمهوره في مدينة بيروت هي مسرحية “البخيل” المعربة عن موليير جان باتيست بوكلان jean Boptiste poquelin و ذلك في أواخر سنة 1847 .تعتبر نظريا من أول المسرحيات بالوطن العربي بعد عصر النهضة.

أما في مصر فلدينا “يعقوب صنوع” (1839-1912) أحد رواد المسرح المصري، وموليير مصر كما أطلق عليه الخديوي إسماعيل، حيث قام بأول مسرح عربي في يوليو عام 1876، وهو الآخر اقتبس فن المسرح وكذا أعماله المسرحية من إيطاليا كالنقاش.
وقد درس “يعقوب صنوع” بإيطاليا 3 سنوات وكان يجيد عدة لغات مكنته من أن يدرس هذا الفن دراسة متقنة مما جعلته يعطي ويبدع في هذا الفن. فخلال سنتين عاشهما ألف اثنين وثلاثين مسرحية، هناك من المسرحيات التي كتبت وألفت من إبداعه، وهناك من الأعمال المسرحية التي اقتبسها من الأدب الغربي بصبغة محلية، ومن بينها نذكر:
 موليير مصر وما يقاسيه العليل
 الصداقة
 الأميرة الإسكندرانية
 مدرسة النساء
 مقالب سكابان
 الوطن والحرية
 حكم قراقوش
 سلطان الكنوز
 الأولاد بيسوقوا الشيطنة، والبنات بتسوق عليه الدلاعة
 آنسة على الموضة

ومن بين الرواد المصريين الذين اقتبسوا من مسرحيات الغربيين وأعادوا كتابتها بأساليب ومعايير أخرى وأبدعوا فيها أيضا، نأخذ “علي سالم” (2015-1936) الكاتب والمسرحي كمثال، حيث وجد في عقدة أوديب مسرحية “سوفوكليس” الشهيرة ما ينفع في تلمس أسباب هزيمة يونيو 1967، فألف عام 1970 مسرحية بعنوان “كوميديا أوديب وانت اللي قتلت الوحش”، فقد استقى فيها من أسطورة أوديب صورة رمزية للصراع الإسرائيلي. أما المسرحية التي اشتهر بها في الوطن العربي فهي “مسرحية مدرسة المشاغبين” التي تروي حكاية معلمة للفلسفة تحاول تأديب صف من التلاميذ المشاغبين.

ومن كل هذا وذاك، نستنتج أن المشرق العربي قد نقل وحاكى واقتبس من الغربيين فنا حديثا ألا وهو المسرح الذي اعتبره الأدباء أب الفنون، ولكن المشارقة لم يتبعوا خطوات المسرح الغربي فقط بل أضافوا بعض الأشياء عليه وبصموا عليه طابعهم الخاص.

الاقتباس المسرحي بالمشرق العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *