عاصفة الفراق

لوعة فراق الأخ

{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}


بعد مرور خمس سنوات على التوالي، تذكرت ذاك اليوم الذي انطفأت فيه شمعة أخي في الحياة الدنيا بعد أن قضينا وقتا ممتعا بين أحضان شوارع مراكش وختمنا ليلتنا بربط اتصالات مع العائلة لكي تمتزج المحادثات بالجد تارة والهزل تارة أخرى…

استيقظت صباح اليوم الموالي باكرا لأتفقد مواقع التواصل الاجتماعي وأنتظر رؤية التسريبات التي تخص أصحاب الباكالوريا الذين سيجتازون الامتحان في ذلك اليوم إلا وأن ذاك الصباح تغيرت فيه نسمة شروق الشمس من منبع نور إلى ظلمة تعكر مزاجي طيلة السنوات الموالية، فبمجرد الاستيقاظ من النوم حاولت أن أنادي أخواي ليتجها صوب عملهما حيث كنت مستلقيا بينهما إلا وأن الأكبر منا غادرنا إلى دار البقاء بعد ليلة كانت هادئة وسعيدة مع العائلة….

هنا هبت عواصف الخوف التي فزعت منها لتنهار نفسية بعد هذا الحدث، حيث اقتلعت شرايين دمي من مكانها وتحركت صمامات قلبي لتعلن رحيلك يا مثال الرجولة، خبر رحيل شهم العائلة، شاب شهد له سكان البلدة بحسن الأخلاق، وشهدت له القبيلة امتيازه بالصبر والرجولة… رحلت يا أخي ورحلت معك ابتسامتك وصوتك الرنان الذي يثلج الصدر عند سماعك تنصحني. أصبح قلبي لا يتحمل فراقك كلما أمر بجوار قبرك الذي أراه كل يوم كأنك معي، ودموعي تذرف على خذي ولا أتحملها وإنما أتظاهر بالشجاعة لأحاربها وأجبر نفسي على الصبر لكي لا أفقد أجر الاحتساب ولا تكون دموعي سبب عذابك في قبرك.

لوعة الفراق لابد منها ولكنك رحلت صغيرا والله أحبك أن تكون له فلم أرك منذ ذلك اليوم، بيد أن صورتك دائما مرسومة في مخيلتي أتذكرك بها بابتسامتك الأنيقة وحنانك العاطفي الذي أحس بالدفء كلما عانقت قلبك الرحب واستندت إلى كتفك في كل الصعاب. فأنت في مخيلتي يا شهم الرجال وصديق العمر ستظل كلماتك قاموس مستقبلي تدق عالمي كلما احتجتك في كل المراحل والمشاورات، صدى صوتك سينبعث من قبرك لتصلني كلماتك الرنانة التي تذوب في قلبي لأرتجف من الخوف إذا لم أطبقها.

وبالرغم من الصعاب التي مررنا بها لنا الفخر أن سهل الله في عملية نقلك من مراكش الحمراء إلى مسقط رأسك تازارين حيث ودعتك بقبلة لا أستطيع نسيانها وستظل تعوضني عن عدم الوصول في الوقت لأصلي عليك صلاة الجنازة. فبمجرد ما هبت تلك الصاعقة بمراكش حيث كنا وصل صداها على وجه السرعة لمسقط الرأس، حيث الأب؛ تلقاها بصدمة حارقة وأنت الذي زرته للتو لما يقارب عشرين يوما كأنك زرت البلدة وحضرت لتودعه رفقة العائلة، ونعيدك محملا في سيارة نقل الموتى داخل تابوت من خشب ترتدي فيه كفنك الذي ألبسك إياه ذاك الرحل المكلف بغسلك رفقة صديق العائلة ميمون الذي شهد لكل ما جرى رفقة إخوانه الذين لن ننسى وقفتهم معنا وقفة الرجال في تلك المحنة….

تنقلت يا أخي في تلك السيارة التي لم أتمكن من ركوبها ورافقك صديقك الحسين وأخي المهدي الذي تكلف بكل الوثائق حتى وصلت للبلدة لتجد رجال القبيلة ينتظرونك بعد مرورك من منعرجات تيشكا وطريق ايت ساون المعروفان بطريق الموت، حتى وصلت وسط المصلى حيث اجتمع الناس سواء من يعرفك أم لا يعرفك وإنما خبر موتك ذاع صيته بين القبائل وعلموا من تكن. فأنت ابن المعلم لحسن الذي يعرفه الصغير والكبير ولخصالك الحميدة ترك الناس مشاغلهم ليحضروا مراسم الدفن، إلا أنني لم أتمكن من اللحاق بك في الوقت المناسب، فالقرار الذي اتخذته رفقة أخي تغير على وجه السرعة عندما اقترب وصولك للبلدة.

دموعي أبت أن تخرج لتسكن داخل عيوني وتغرغر؛ كلما وجدت فرصة أناجي فيها ربي فاشتياقك يزداد كل يوم، كما يشتاق الرضيع لحليب أمه عند فطنه، وكاشتياق المغترب للعودة إلى وطنه. اسودت الدنيا في عيني لأنني لا أستطيع تحمل الجروح المتراكمة وأنت الذي تداويها، فلحظة فراقك يا أخي وجدت سكاكين الآلام تخدش سعادتي بدون شفقة ولا رحمة ولم أجد السعادة بعد ذلك.

وآخر ما أقوله أن فراقك ولد لي جروحا من جواب عدة، وكل من حولي لا يعلم بما أكتمه في قلبي من معاناة أليمة أصبحت تأخذني إلى عالم الكتابة والخروج من ضيق الحياة والترويح على النفس بمجرد أن أراود قلمي ليخطا بما جادت به مخيلتي لعلها تخرجني إلى فسحة أمل تخلق الروح في نفسية من جديد كلما فكرت في الأحلام التي رسمناها سويا وأنا الآن بصدد تحقيقها فكن مرتاح البال في قبرك حتى أصلك وأقص لك كلما جرى.

وخير الدعاء أرجو الله أن يكون عونا لي في المصائب لأنه يعلم ما في قلبي، وأرجوك يا الله أن تغفر لأخي ولكافة الموتى أجمعين وأفسحهم فسيح جناتك وأرزقهم دارا خيرا من دارهم، ونور قبرهم واجمعني بهم في جنة الفردوس يا أرحم الراحمين.

عاصفة الفراق