مصير النموذج التنموي الجديد بعد أزمة الكورونا

كيف نضمن نجاح النموذج التنموي الجديد فعلا؟

قبل أن تسجل أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد في المغرب يوم 3 مارس 2020، كان الملك محمد السادس قد ألقى خطابه يوم 20 غشت 2019 أطلق من خلاله مشروعا تنمويا طموحا تحت مسمى “النموذج التنموي الجديد”، وقد تم تعيين أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد وصياغة الدعام الأساسية التي ينبغي أن يقوم عليها هذا المشروع، وبدأت اللجنة في عقد جلسات تشاور مع كافة الفاعلين بما في ذلك الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمواطنات والمواطنين من كافة الفئات المجتمعية.
لكن ومع بروز “أزمة كورونا” والتدابير الوقائية التي اعتمدتها السلطات في المغرب بغية مواجهة التداعيات الخطيرة للفيروس، وجدت اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي الجديد نفسها أمام تحديات جمة متمثلة في صعوبة استكمال أنشطتها التشاورية التي كانت قد بدأتها فور تعيينها من طرف الملك، بالإضافة إلى تغير المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية عقب الأزمة والتأثير السلبي الذي خلفته على الاقتصاد المغربي .

كيف يمكن لأزمة فيروس كورونا أن تكون فرصة جديدة لتشخيص مكامن الضعف و القصور في النموذج التنموي الذي يعتمده المغرب ؟

عبر فترات مختلفة، اعتمد المغرب مجموعة من النماذج التنموية كان القاسم المشترك بينها هو رغبة الدولة في بناء اقتصاد قوي وتنافسي، بالإضافة إلى القضاء مجموعة من الإشكالات والظواهر المجتمعية السلبية مثل الفقر والبطالة والهشاشة، وكما هو الحال في مختلف التجارب العالمية نجحت الدولة المغربية في تحقيق مجموعة من الأهداف التنموية عن طريق تبني مجموعة من المخططات القطاعية، كمخطط “المغرب الأخضر” الذي أطلق في أبريل 2008 حيث يهدف الى جعل القطاع الفلاحي دعامة أساسية لتحقيق التنمية السوسيو اقتصادية للمملكة.

في المقابل، فشلت الدولة في تحقيق مجموعة من الأهداف التي كانت قد سطرتها من خلال تبنيها لهذه البرامج والمخططات التنموية، وخير دليل على هذا الأرقام والمؤشرات التي تقدمها المندوبية السامية للتخطيط والتي تشير الى أن 2.8 مليون مغربي يعيشون تحت خط الفقر، وهذا رقم مقلق بالنسبة لبلد لبلد يطمح أن يصبح واحد من الاقتصادات الناشئة.

إن فشل هذه المخططات القطاعية استوجب الوقوف وقفة تأملية عند الانجازات المحققة وإصلاح الأخطاء التي تم ارتكابها في التجارب السابقة، وهذا هو الهدف المنشود من النموذج التنموي الجديد، ونجاح هذا المشروع التنموي الجديد يبقى رهين الإرادة السياسية لكافة الفاعلين، فأقوى المخططات التنموية في العديد من البلدان المتقدمة ما كانت لتتحقق لو لا ارادة الفاعلين السياسيين ووقوفهم في صف واحد لمواجهة تحديات مشتركة في جو من الثقة الاحترام المتبادل بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة؛ وهذا ما يذهب إليه المفكر والاقتصادي الأمريكي فرانسيس فوكو ياما في كتابه “الثقة و الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي” حيث يعتبر أن أي دولة تريد أن تحقق النهضة الاقتصادية والرخاء الاجتماعي لمواطنيها لابد لها من أن تسود في مجتمعها قيم الثقة المتبادلة من اجل اقامة مجتمع اقتصادي قوي لا تؤثر فيه الأزمات.

كيف يمكن تحقيق الإقلاع الاقتصادي والرخاء المجتمعي بعد “أزمة الكورونا”؟

في البداية لابد من فهم حقيقة تعتبر من المسلمات التي لا جدال فيها والتي تتمثل في كون تحقيق الإقلاع الاقتصادي والرخاء المجتمعي والقضاء على الظواهر المجتمعية السلبية تبقى مجرد “أحلام وردية “، وقد تصل في أحسن الظروف إلى وعود انتخابية تهدف الى استقطاب الجماهير، حيث ينتهي هذا الحلم الوردي بمجرد صعود حزب سياسي معين وتوليه مركز اتخاذ القرار ويصبح ضحية ابتزاز من طرف المؤسسات الدولية المانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

إن أي نموذج تنموي جديد يجب أن يكون قائما على واقعية ووضوح الأهداف المسطرة لا على أهداف ضبابية و”دغدغة للمشاعر”، وفي هذا السياق يجب التأكيد على أن نجاح مشروع النموذج التنموي الجديد يبقى رهين ارتكازه على أربعة محاور أساسية وهي :
المحور الأول: إطلاق ورش إصلاح شامل لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي وفق ما يتناسب والقانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتماشيا مع التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال.
المحور الثاني: تقوية ودعم الاقتصاد الوطني عن طريق إطلاق جيل جديد من المخططات القطاعية مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعة والفلاحة والسياحة والطاقة المتجددة.. والاستفادة من الأخطاء المرتكبة في الماضي، بالإضافة إلى الانفتاح على التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
المحور الثالث: بلورة سياسات عمومية ذات طابع اجتماعي بالأساس عن طريق خلق منظومة حماية اجتماعية قوية تستهدف بالأساس دعم الطبقة الفقيرة والمتوسطة.
المحور الرابع: إصلاح الإدارة العمومية واتخاذ الإجراءات اللازمة بما ييتيح السير العادي للمرفق العمومي ويضمن جودة الخدمات المرفقية، وتجاوز العراقيل البيروقراطية التي تواجه المرتفق في علاقته مع الإدارة.

ويبقى تحقيق هذه الأهداف متربطا بمدى قوة الإرادة السياسية لدى الفاعلين السياسيين ومدى قدرتهم على تحويل برامجهم الانتخابية من “أدوات سياسية” إلى مشاريع تنموية حقيقية طموحة؛ فمن جهة، الفاعل السياسي يجب أن يغير عقليته وأن يفهم أنه يعيش في القرن الحادي والعشرين بكل ما يفرضه من تحديات وعراقيل وأن يقطع مع ممارسات الماضي التي لن تزيد إلا الأوضاع سوءا، ومن جهة ثانية، المواطن مدعو بدوره للمشاركة بشكل فعال في هذا الورش التنموي من خلال سلوكاته الواعية والمسؤولة والمواطنة، بعيدا عن الأنانية وانعدام النضج والمسؤولية والنظرة السوداوية للمستقبل.

كيف ستكون تحديات المستقبل؟

عند تسجيل أولى الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في ألمانيا لم يكن هناك أي ارتباك بخصوص التعامل مع هذه الجائحة وما صاحبها من تدابير اتخذتها الحكومة لمواجهة الوضعة الاستثنائية، لأن الدولة الألمانية أعدت خططا مستقبلية قبل سنوات لأي وضعية مشابهة سواء تعلق الأمر بأمراض معدية أو أحداث إرهابية أو حالة حرب أو أي حدث يمكنه أن يشكل خطرا على ما يسمى “بالأمن القومي الألماني”، بمعنى أن كل شيء كان مخططا له مسبقا تفاديا لأي ارتباك ظرفي.

يجب على المغرب أن يستفيد من مثل هذه التجارب، رغم الاختلاف الكبير في الإمكانيات المادية واللوجستية لكن الحكومة يجب أن تكييف خططها المستقبلية لمواجهة أي أخطار قد تهدد المملكة مستقبلا، وتهييء هذه الخطط لا يجب أن يخضع لمنطق المحاباة أو العاطفة بل عن طريق الاستماع لصوت العلم وبالتحديد الخبراء المغاربة، وأن تكون هذه الخطط بتنسيق شامل مع كافة القطاعات الحكومية، وأن تكون هذه القرارات المتخذة مبنية على تحقق شروط شكلية وموضوعية بعيدا عن إرضاء الخواطر أو الانصياع للضغوط.

مصير النموذج التنموي الجديد بعد أزمة الكورونا