على مشارف الموت “الجزء الأول”

وحش اسمه الاكتئاب

لو اقترن عنوان هذه القصة مع اسمي قد يبدو لأقرب الناس لي مجرد محض تقاطع أسماء، بحكم ابتسامتي الدائمة وتلك الملامح السعيدة طوال الوقت، أخشى ألا أحد من معارفي سيتمكن من استيعاب أحداث هذه القصة أو يصدقها أو حتى يعيرها أدنى اهتمام، لكن هذا لا يعني أنني لن أسرد أطوارها.

لقد بدأت معاناتي في فترة تدريبي الإجباري التابع لدراستي، لم يكن هناك تغيير كبير في أحوالي فقد بدأ الأمر أولا بعجزي عن قيامي بتلك النشاطات التي تعيد ضحكتي لمكانها المعتاد، هجرت الرسم والكتابة وحتى حتى حصص الركض التي تعيد تركيزي لم أعد أقوى على حضورها، ليزداد الأمر سوءا مع مرور الوقت، فأصبحت منغلقة على نفسي أكثر فأكثر، حتى تلك الخرجات المعتادة مع صديقاتي قد استغنيت عنها، لم أعر للأمر اهتماما في تلك الآونة، ظننت أنها فترة انتكاسة عادية كسابقاتها رغم ما بدوت عليه من ملامح جافة مصفرة وعقل مشوش التفكير، تارة يفكر في كل شيء وتارة لا يفكر بتاتا وتارة أخرى يفقدني صوابي بذلك الفراغ والصدى الذي يكمن داخله.

ظللت على هذه الحال كل يوم أصحو من نومي جثة هامدة لا تعي أي واجب هذا الذي قامت من أجله في الرابعة صباحا، كانت تلك هي الفترة الوحيدة التي بإمكاني أن أصحو فيها مبكرا دون أن أتذمر أو أبحث عن كوب قهوتي المبجل، أو أن أرتدي زوج جزمتي المفضلة، لم أكن أبدا من كومة الناس التي بإمكانها الصحو بسهولة صباحا، إلا أنني في تلك الفترة لم يعد يشكل فارقا إن صحوت أم نمت، فحتى نومي لم يكن ذا أهمية بل كان يزيد طينتي بلة، فلا بإمكاني الراحة ولا عقلي يخرس أفكاره. مر شهران متتاليان وأنا أشعر بنفسي كومة خراب تتناثر أجزاؤها كلما مر يوم آخر.

وفي لحظة باغتتني وبثت الأمل في نفسي، وأتتني فرصة للعمل في مدينة مختلفة عن التي أقطن بها في اليوم الأخير لتدريبي، لم تكن مجرد فرصة سانحة لبناء مستقبلي، بل كانت فرصة لتغيير جزء من تفاصيل حياتي لعلني أجد ضالتي في هذه المدينة الجديدة وتتعافى فيها روحي من جديد.

لم يكن الوقت أنذاك يسمح لي برفض الفكرة، فقبلت الوظيفة دون أدنى تردد، ودون وعي مني أنها ستكون النقطة التي تفيض الكأس، أصبحت بعدها أشبه الآلة في كل تحركاتي، أنهي عملي بمشقة الأنفس، أتحمل رؤية زملائي في العمل بصعوبة بالغة.. كنت أرجو من الله أن ينتهي يومي بسرعة حتى يتسنى لي أن أركض للمنزل وألتحف في فراشي بوضعية الجنين، لم أقوى حينها على أكل ما كنت أشتهي سابقا بل فقط كنت أبتلع ما يبقيني على الحياة فقط…

وكما هو معهود مني، كلما ضاق صدري من تعاستي المفرطة ألتجئ إلى والدي، فارتأيت أن أعزمهما لمدة من الزمان لعلني أشعر بتحسن بوجودهما بجانبي، بيد أن حالتي لم تتحسن رغم كل تلك النزهات البحرية التي كنا نقوم بها معا، فقد وجدت نفسي أخرج معهم تلبية لطلباتهما لا أكثر في حين كنت أنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي أعود فيها لمكاني المعتاد المظلم، ألتوي وأشعر بالدونية، باضطراب في التنفس، بيد تحكم قبضتها بشدة على عنقي؛ لقد قرأت ذات مرة أن المرض الوحيد الذي تصحو منه مرهقا بعد نوم تسع ساعات هو الاكتئاب، وفي تلك الفترة كانت تمثلني هذه القولة بشدة رغم أن النوم هجرني طويلا، لكن الإرهاق استمر معي…

كان مرور الوقت يشكل تدهورا كبيرا في حالتي مسببا لي الأرق، ظللت أمضي ليالي بعينين مفتوحتين، وعندما يحل الصباح ينتابني إحساس أنه يوم سيء مجددا، يستوجب أن أعيشه مع أناس لا طائلة حتى من مشاركتهم كلمة صباح جميلة في صباح بائس، والقيام بأعمال لا جهد لي للقيام بها. كنت أقضي يومي في انتظار انتهائه لأهرول مجددا مسرعة وأنكمش في فراشي. في هذه المرحلة تجاوزت رغبتي في البكاء أو كسر الأشياء، في هذه المرحلة كنت مجرد هيكل آدمي يمشي ويعيش على أمل أن يكون ذلك آخر يوم في حياته، لم يعد لأي شيء في حياتي ذوق أو رائحة، أصبحت أيامي بلياليها كريهة مثقلة بالكآبة مشحونة بالأحزان.

حين يعتليك مرض الاكتئاب لن يشعر أي ممن حولك بمرضك، لكن حين تنتحر سيعلم الكل؛ مذكراتك ستصبح مشهورة بين الجميع، رغباتك الانتحارية سيقرؤها الجميع، الكل سيتمنى لو لازمك في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان لكن حينها لن يكون طائل من كل تلك الكلمات التي يحتاجها مريض الاكتئاب وهو في عز أزمته، وهو لا يجد ذلك الكتف الذي يسند عليه بعضا من آلامه.

فجأة، ودون سابق إنذار، قررت الاستقالة من عملي أملا في استعادة أشلائي وابتسامتي، لم يكن مني إلا أن فعلتها دون أدنى تردد، أذكر جيدا أنه يوم عودتي لمنزل أهلي استطعت أن أنام طوال الطريق، كان يمكنني أن أستشعر أن تلك الأيام السيئة قد انتهت، لم أشعر بذلك المغص الحاد في بطني أو تلك اليد الذي تشد عنقي، لم أشعر بانعدام الثقة، كان كل ما يمكنني الشعور به هو انتهاء أزمتي والعودة لتلك الصباحات الفيروزية مع كوب قهوتي المفضل بمزاج صافي..

يتبع…

على مشارف الموت “الجزء الأول”