أعالي السوء “الخبث“

عن الخبث و الخبيثين

كن خبيثا لتحقيق أهدافك
أضحى المبدأ الفارسي طريقا مباحا يسلكه الأغلبية بكل رِفعةِ رأسٍ لتحقيق مصالحهم الذاتية؛ بأذية الآخر التي قد تصل حد التضحية به مهما بلغ قربه، ففي قانون الدناءة: لا قريب يبقى غيرُ قُرب المصلحة.

الخبيثون نوعان: ذكي وغبي، الأول محدود بفهم حقل فاعلية الخبث وعلاقته بالمقصد، بينما الثاني لا حدود لغبائه حتى في خبثه، إذ تجده غير واع لمصيره أو مصيرِ من يخبث بحقهم، وكلاهما قد ينهيان سربا من الأحلام إن لم ينهيا حياة بمجملها.

والخبث قرينُ التقية، أي أن يعلن المرء عكس ما يضمر، تراه يبدي لك الحب والود وفصاحةَ المجاملات حتى يكسوك بشبه لباس الطيب، وما إن يباشر هدفه قبالة عينيه حتى يطعنك بخنجره، فلا هو ملام على فتكه بك ولا أنت تلام على سذاجتك، وهذا تجاوز العلاقات الإنسانية إلى الحضور في العلاقات السياسية الدولية.

هذا الغياب الضميري الأخلاقي التام يؤدي إلى تضرر الانسان تضررا عميقا ينتج عنه كفران بالعلاقات الإنسانية جمعاء، فتعدد الخيبات الناتجة عنه يجعل المرء مستنزفا كارها لدناءة قشور الخبث التي تعلوا الأجسام الدنيئة دنو الوحل، فيصير مستشعرا لانعدام الأمان قلقا وربما يطول الأمر إلى الشعور بالنقصان واستصغار الذات، وترميمه لنفسه من جديد ليس بالأمر السهل ولا المستحيل، يحدث بعد مجهود ليس بالهين يكسبه مناعة جديدة، وثمار الخير فيه تبدو من بعيد.

وهذا الارتفاع العام في الجلافة والوقاحة الذي يطول العلاقات الإنسانية له درجات، تختلف لدى العامية لكن “كروستوفر شولز” رأى أن أقصاها هو الذي يطول مشاعرَ المرءِ، إذ قال: “قمة الخبث عندما يقصد أحدهم فهمَ كلماتك البريئة بكل سوء” فيكون الفاعل هنا قاصد للهتك بمشاعر الآخر والتحليق فوقها بكل لؤم، فيتحد مع بغاة الشر لكسر النفوس، هنالك حكمة ربانية بخصوص هذا الأمر، فالخالق لم يقل عبثا: “سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ” (الآية 35 من سورة القصص) إلا بكامل علم على أن عدو الطيب هو عدو الإنسانية أجمع، ولو أعجبك بياض أنيابه اِعلم أن اتحادَك معه هو إعلان على أنك فريسته المؤجلة.

وكختام طيب، فسقوط الخبيث أمر محتوم لا فرار ولا مناص منه، وما بني على وهن فهو واهن، وكلما اتسع حقل الحرية قل حقل الخبث، وما إن يصِرِ الإنسان حرا إلا وضمر الخبث الذي بداخله، فاللهم إنا نسألك بصيرة نبصر بها الطيب من غيره.