في مجتمعي الذكوري

الفتاة من زاوية جد حادة

حكايتي كحكاية أي فتاة عربية، تلك الفتاة التي تشكل عبئا على والديها منذ ولادتها إلى أن يزج بها في سجن ذهبي يدعى الزواج.

منذ نشأتي وأنا أحس أنني عبء ثقيل على والدي، لم أتذكر يوما أنه حضنني أو قال لي كلمة جميلة، ليس كإخوتي الذكور، ما إن يدخلوا حتى يأتيهم وابل من المديح والحب الأبوي الذي لطالما حرمت منه، لم يسمح لي والدي بالدراسة قائلا: لم أنته من عبء إطعامك وكسوتك تريدين أن تزيديني دراستك، لا أعلم متى سنجد لك عريسا يبعدك عنا…

كانت كلماته كالسيف القاطع قسم جسدي لقطع صغيرة، لعنت نفسي مئة مرة لكوني فتاة، مع أنني لست أنا من جعلني فتاة، كنت أرى كيف كان أبي يهتم بإخوتي ويحن عليهم ويرعاهم حتى عند مرضهم يجدونه بجانبهم، وأنا كانت مهمتي الوحيدة هي الطبخ والكنس والتنظيف وسماع الوابل اليومي من السب والشتم واللعنة على كوني فتاة، كنت أدعي ان يأتي من يخطفني من هذا الجحيم ليلا نهارا وكنت أصبر على كل ما أسمع.

أمي كانت تتجاهل ما يقوله أبي وتقول لي: هذه حياة كل فتاة في مجتمعنا، نلعن ليل نهار كأننا السبب في كوننا فتيات، مهمتنا تتلخص في الكنس والتنظيف والطبخ، في البداية بمنزل أبوينا وبعدها بمنزل زوجنا، لا حق لنا في الدراسة ولا الكلام ولا إبداء الرأي ولا المعارضة، كأننا ولدنا لنكون دمى التنظيف في المنزل؛ اصبري حتى يأتي نصيبك ولا تعارضي أباك.
صارت حياتي هكذا مرهونة بشاب ما لا أعرف أصله ولا أي شئ عنه، ماذا لو كان أسوأ من أبي؟ ماذا لو أذاقني كأسا أمر من هذا الذي اعتدت عليه؟ أسئلة تؤرق ليلي وتتعب دماغي !

لطالما كنت أحلم بأن أكون مدرسة، لكن في هذا المجتمع حتى الحق في الحلم ممنوع عليك. إن فكرة ان يكون لك حلم يفسرونها بالانحراف والتحلل. بالنسبة لمجتمعي، الفتاة كلعنة تنزل على الأسرة، تعيش في كنف والديها كخادمة تأخذ أجرها أكلا وشربا ومسكنا، وما إن تبلغ الخامسة عشر حتى يبدؤوا في الإعلان عن فتاة للزواج، تبدأ المزايدات كأنها لوحة قديمة يجب أن تباع في أقرب وقت، تمضي وقتها في إظهار قدراتها على تحمل أعباء المنزل والشاب الذي يعطي أكبر سعر لمهرها يفوز بها فتنتقل من مرحلة الفتاة المنبوذة الى مرحلة الزوجة وهي لا تقل سوءا عن الأولى، إذ تصير الزوجة أداة إشباع جنسي للشاب وآلة للإنجاب، تعيش كملكة إن أنجبت ولدا وأمة مذلولة إن أنجبت فتاة؛ عملها يتجلى نهارا في الكنس والتنظيف والطبخ وليلا تلعب راقصة همها إسعاد زوجها بالحركات والتمايلات، ليس لها الحق في أن تتعب وأن تعارض، ليس لها الحق أن تقترح وأن تحلم، إن فكرت أن تخبر زوجها أجابها: لقد تزوجتك بك تهتمي بي وتنجبي لا أقل ولا أكثر، أبعدي تلك الأفكار المنحلة من دماغك !

هكذا أمضيت حياتي، أمضيتها بين عتاب الأب لكوني الفتاة وقسوة الزوج لأنني فقط آلة متعة وإنجاب كما يقول، لم أخرج ولم أكتشف العالم، إن خرجت قالوا منحلة وإن لازمت غرفتي قالوا متكبرة. مضت سنة دون أن أرزق بأبناء فما كان لزوجي إلا أن يأتيني ليلا ويلقي علي كتلا من السب والشتم و التشكيك في صحتي.
لم أتحمل، فأفرغت قلبي وقلت كل ما أملك، نلت صفعة أردتني أرضا وغبت عن الوعي ساعات طويلة. لم أتذكر إلا أن وجدت نفسي في نفس المكان الذي وقعت فيه، لم يتحمل زوجي عناء حملي من الأرض أو الاطمئنان علي وذهب كي ينام بضمير مرتاح.
قمت بصعوبة واتجهت نحو نافذة غرفة النوم، راودتني فكرة أن أرمي بنفسي فلا فائدة من بقائي في هاته الحياة التي لا أحد يريدني فيها، لا أحد يراعي ويفكر هل أنا سعيدة، أي مجتمع هذا الذي مجد الذكر واحتقر الأنثى، ظن أن الحياة دون الضلع الأعوج ستكون جميلة ، ألم يعلم أن ضلعه الأعوج هو من يهتم به ليل نهار، هو من حمله تسعة أشهر وأرضعه عامين، هو من سهر بجانبه عند مرضه، هو من يطعمه ويلبسه ويضحي بالغالي والنفيس لأجله!!
 يأخذون من الدين جملة ناقصات عقل ودين كأنهم هم ملائكة يعلمون كل شيء ولا يخطئون؛ هذا حال كل المجتمعات الذكورية، ينسون أن وراء كل رجل عظيم امرأة !

في مجتمعي الذكوري