شكيب أرسلان وجهوده الإصلاحية “الجزء الثاني”

حياته ونضاله وإسهاماته القومية والفكرية

لقراءة الجزء السابق من التدوينة:

الجزء الأول


6. شكيب أرسلان وحركات التحرير في المغرب العربي
قال شكيب أرسلان: “من العبث أن تظن دول الاستعمار أن  إخماد الحركات الوطنية بالعسف والقهر والحبس وكل هذا لا يزيد المسلمين إلا عدادا وما استصلح عليه بمثل العدل”.

شغلت قضايا تحرير بلدان المغرب العربي حيزا هاما من اهتمامات شكيب أرسلان السياسية في سيرته النضالية وإذ حصل له الاقتناع بعدالتها، تبنى النضال في سبيلها والدفاع عنها ناشدا باستقلالها خاصة وقد أدرك أهمية موقعها الجغرافي على الخريطة الدولية ومدى وحدة دينها ولغتها وتاريخها وحضارتها فصلا عن تماثل أوضاعها السياسية.

7. شكيب أرسلان والحركة الوطنية التونسية
لم يدخر جزءا من جهده في النضال من أجل القضية التونسية التي شغلت حيزا هاما من مسيرته النضالية في سبيل قضايا تحرر البلاد العربية الإسلامية واستقلالها، وذلك بتبني خدماتها سياسيا وبمناصرتها والدفاع عنها من خلال ما كان ينشره من مقالات صحفية تصور أوضاع الشعب التونسي المتردية في ظل الاستعمار الفرنسي، و بهذا جمعته علاقة صداقة برواد الحركة الوطنية التونسية وهي علاقة وطيدة بما في ذلك علاقته بالشيخ صالح الشريف التونسي التقى به في غضون سنة 1911 عندما نفته فرنسا إلى سويسرا عقب حوادث الزلاج واتفقا على إحياء الدين الإسلامي والعمل بها والدفاع عنها أمام مناوئيها من ملاحدة الإسلام والنصارى العنصريين، فضلا عن سعيهم للنهوض بالأمة الإسلامية في الكشف في كنف الشرع الإسلامي بعد توحيدها في جامعة إسلامية قوية تجمع شتاتها وتكون قادرة على صد أطماع الدول العظمى الإستعمارية كما جمعته علاقة مع محمد باشا حام به وذلك سنة 1920 حيث كان شكيب أرسلان متواجدا بألمانيا، وكان المناضل حامد أحد مؤسسي حزب الشباب سنة 1920 مبعدا من طرف السلطات الإستعمارية الفرنسية لأن حركته السياسية تقلقها وتهدد سلامة مصالحها.

8. شكيب أرسلان وحركة الاستقلال المغربية
تستمد علاقة شكيب أرسلان من حركة الاستقلال المغربية قوتها من اقتناعه بعدالة النضال الذي تخوضه هذه الحركة ومشروعيته في سبيل تحرير القطر المغربي من الاستعمار الأوروبي المزدوج الإسباني والفرنسي، وبذلك فقد تبنى الدفاع عن القضية المغربية منذ ابتلاء هذا القطر بالحماية الفرنسية في غضون سنة 1912 ، فبادر بالحملة على فرنسا والتنديد بها لاستلابها حرية الشعب المغربي. ودعم عبد الكريم الخطابي بالريف عند إعلانه الحرب على الإسبان الغزاة في سنة 1925، حيث كان يستنهض في مقالاته الصحفية همم العرب والمسلمين لمد يد المساعدة لإخوانهم مجاهدي الريف.

9. شكيب أرسلان وقضية الظهير البربري
تتميز البنية الاجتماعية للمغرب الأقصى بتنوع الأجناس، إذ أننا نجد إلى جانب العرب والمسلمين البربر الذين يعدون نسبة معتبرة من مجموع عدد سكان المغاربة أنذاك حيث يناهز عددهم ثمانية ملايين نسمة، ولكن رغم انتمائهم البربري فقد كانوا مندمجين في المجتمع المغربي يحتكمون إلى الشرع الإسلامي في كل أحواله المدنية والجنائية والتجارية والعقارات والمنقولات، فضلا عن انتشار اللغة العربية فيما بينهم، ولكي يتسنى لفرنسا تقسيم القطر المغربي حسب العرف والجنس وأصل السكان تدعيما لوجودها وسياستها الاستعمارية فقد عمدت إلى إصدار ظهير تحظر فيه على البربر أن يتحاكموا إلى المحاكم الإسلامية في أحوالهم المختلفة بل إلى المحاكم المختصة الفرنسية، وتبطل انتشار اللغة العربية بينهم لتحل اللغة الفرنسية.

ولقد استنكر البربر استصدار فرنسا هذا الظهير إذ قامت القبائل البربرية بإرسال وفودها إلى الرباط لتسجيل احتجاجها بمكتب الوزير الصدر ولما رجعوا زج بهم في السجن، فلما رأت فرنسا أن المكيدة ستفضح و أن البربر يحتجون على القانون زعمت أنه وضع حسب رغبتهم و جمع المراقبون المدنيون الفرنسيون أهل القبائل وقالوا لهم “إن فرنسا أتت هنا لإنقاذ البربر من العرب وهم قوم ظالمون جاؤوا بلدكم ذات حين وإنما هي للبربر”.
احتجت كل فئات الشعب المغربي لإصدار فرنسا هذا الظهير الذي يهدد الشرع الإسلامي الذي تدين به وتحتكم إلى تعاليمه واللغة العربية التي تتكلمها وخاصة الوحدة الوطنية التي يجمعها والقبائل البربرية من خلال المقالات الصحفية الضارية ضد السياسة التنصيرية على صفحات جريدة le populaire marocaine وكذلك في الاجتماعات التي كانت تلتئم بكل مساجد المدن الكبرى وجوامعها كمسجد القرويين بفاس والمسجد الأعظم بمدينة سلا، والتي كان يلقي فيها زعماء الحركة الوطنية خطبهم السياسية.
وكان شكيب أرسلان يدرك جيدا أنه وإن لم تعمد فرنسا إلى إلغاء أحكام الظهير البربري رغم ما لقيته من حملة تنديد واحتجاج فلأنها رأت تراجعها في شأنه لا يخدم مستقبل سياستها الاستعمارية بالمغرب العربي؛ وصفوة القول أن شكيب أرسلان يعتبر سياسة فرنسا في القضية البربرية كانت سياسة تهور حمل عليها ما وقع بعد الحرب العامة من اعتقاد عدد بعض الأوروبيين أن سياج الإسلام قد انخرق بتمامه ولم يبق مانع من مد اليد إلى دين المسلمين كما امتدت ديانتهم، وهذا خطأ عظيم أساسه جهل الأوروبي بحقائق أحوال العالم الإسلامي مهما زعم أنه مطلع عليه.

9. زيارة شكيب أرسلان للمغرب الأقصى
تمثل زيارة شكيب أرسلان للمغرب الأقصى حدثا سياسيا على غاية من الأهمية لأنها تمت في ظروف حقيقية كان يمر بها الشعب المغربي على إثر إصدار فرنسا الظهير البربري ثم لأنه سمح لشكيب بالالتقاء المباشر بزعماء حركة الاستقلال بالمغرب، ونصت على التواصل معهم فضلا عن الاطلاع عن كثب على أوضاع الشعب المغربي.
إن شكيب أرسلان ألبس زيارته للمغرب الأقصى ثوب السياحة، فقد كان يبطن بباطنها سياسة بحيث كان يروم تحقيق مقصدين أساسيين:
أولا: الاطلاع على أوضاع الشعب المغربي إثر ابتلائه بصدور الظهير البربري، وما تبعه من أحداث جزاف.
ثانيا: الاطلاع على أوضاع الحركة الوطنية المغربية عن كثب والاتصال المباشر بزعمائها حتى يتسنى له توجيه نضالهم السياسي ضد الوجود الاستعماري الإسباني والفرنسي بالقطر المغربي.

وهذه الزيارة تمت بمرحلتين:

  1. مرحلة تطوان:
    وصل شكيب أرسلان تطوان سنة 1930 مصحوبا بزعماء الحركة الوطنية المغربية بالجنوب السادة امحمد بلافريج، ومحمد الزبيدي، ومحمد العباس الفتاح، والحاج محمد بنونة، والشيخ المصمودي من تطوان، و الحاج عمر بن عبد الجليل، ومحمد الغالى الفاسي، وعبد الحميد الصفريوي من فاس، وأبو بكر المالقي من سلا.
  2. مرحلة طنجة:
    نزل الأمير شكيب أرسلان عند وصوله إلى مدينة طنجة بفيلا دي فرانس محفوفا بثلة من زعماء الحركة الوطنية المغربية، وذهب لاستقباله أعيان طنجة احتفاء بمقدمه، ولما كانت هذه الزيارة التي قام بها الأمير توافق احتفالات المولد النبوي الشريف فقد خص الأمير باستقبالات حماسية من طرف الجماهير المغربية ثم كانت له لقاءات متعددة لزعماء الحركة تناولت أوضاع القضية المغربية في الحال وأفاقها بالاستقبال، وقد تناولت أوضاع القضية المغربية. في هذه الأثناء بلغ حنق السلطات الفرنسية وامتعاضها من شكيب أرسلان فقررت طرده، فأمهلته 24 ساعة لمغادرة التراب المغربي غير أنه رفض التسليم لقرار الطرد مفضلا مغادرة طنجة عن طيب خاطر.

لقد كان لهذه الزيارة التي قام بها الأمير شكيب أرسلان إلى المغرب لها نتائج إيجابية حيث ساهمت بفعالية في بلورة مسيرة الحركة الاستقلالية المغربية، فهو لم يكتف بالبحث والإطلاع على أحوال البلاد بل أعطى تعليماته وإرشاداته للوطنيين الذين وفدوا عليه من الرباط وسلا.
إلى جانب جهوده النضالية من أجل تحرير البلدان العربية وإرجاع الوحدة العربية الإسلامية ولم شملها، ومن خلال هذه الرحلات والتنقلات بين الشرق والغرب منها ما قام بها وهو منفي وأخرى أثناء حريته. بالإضافة للكتابات التي كتبها لإحياء التراث العربي القديم واستخلص منها أيضا مكامن الفرق ما بين العالم العربي والعالم الإسلامي. فشكيب أرسلان هذا عاش حياة حافلة بالنضالات السياسية بحيث يمكن تقسم حياته لمرحلتين.
1- المرحلة الأولى من أواخر القرن 19 إلى سنة 1923: لم يكن شكيب أرسلان في هذه المرحلة ضد العروبة بل كان يسعى إلى التوفيق بينها وبين الوحدة العثمانية، وفي الوقت نفسه كان يوصي العرب بالمحافظة على عروبتهم والالتزام بالعادات والتقاليد والتراث العربي كما يعترف بوجود رابطة جنسية عربية، بل وأكد على ضرورة تقويتها وإحياء معارفها.
المرحلة الثانية ما بعد سنة 1923: شهدت هذه المرحلة تحولا في فكر شكيب أرسلان من الوحدة العثمانية إلى مناصرة القضايا القومية بخاصة والإسلامية بعامة، إذ بدأت توجهاته القومية والإسلامية من 1921، مطالبا بالوحدة العربية من أجل تحقيق نهضة عربية.

ومن القضايا التي حاول شكيب أرسلان القيام من خلالها بإصلاحاته، ما بينه في كتابه “لماذا تأخر المسلمون و تقدم غيرهم؟” حيث افتتح القول بأن حالة المسلمين الحاضرة في القرن 20م لا ترضي أشد الناس تحمسا بالإسلام لا من جهة الدين ولا من جهة الدنيا ولا من جهة المادة ولا من جهة المعنى، فالمسلمون متأخرون عمن يجاورهم ويساكنهم، إلا في البوسنة وروسيا والصين، لذلك رأى شكيب أرسلان أن أسباب ارتقاء المسلمين كانت في الماضي قبل أسباب الانحطاط في الحاضر .

أسباب ارتقاء المسلمين عائدة في حملتها إلى ديانة الإسلام، أما أسباب الانحطاط تكمن بشكل أساس في فقدهم كل الثقة بأنفسهم، وكل هذا ساعد الفرنجة في ترويج نظريات بأن المسلمين لا يصلحون لعلم ولا لصناعة أو حرب أو سلم كما أن اقتصادهم منحط، وبالتالي لابد لهم من أوروبا حتى يدخلوا على يدها الإصلاح لبلادهم. وهذه هي الفكرة التي ظل شكيب أرسلان يحاول دفع الأمة العربية إلى تجاوزها لينهضوا ويتقدموا ويجاهدوا بالمال والنفس، وأن يرتقوا كما ارتقى غيرهم من الأمم فهم رجال كما أولئك رجال، ويجب أن يستبعدوا التشاؤم والاستخداء وانقطاع الآمال والاشتغال بعقولهم.

من خلال كل هذا، دعى شكيب أرسلان إلى ضرورة القيام بوحدة قومية عربية وأكد على أهمية الرابطة الدينية في اجتماع العرب تحت راية الرابطة العربية الإسلامية، وبرزت قوميته في مطالبته بتعليم اللغة العربية وإحياء التراث العربي القديم في الثقافة والفكر والتقويم لإرجاع كل تلك الأمجاد، كما أن هذه الفكرة الإصلاحية هي نفسها التي دعى بها المغاربة والجزائريين وحتى تونس والبلدان العربية الأخرى في الشرق الأوسط وأكد لهم على ضرورة الوحدة ضد العدو، فقد عرف شكيب أرسلان من خلال كتاباته عن القضايا العربية والإسلامية ومحاولته لتقديم حلول للمآزق السياسية الداخلية والخارجية عن طريق تأسيس أرضية مشتركة بين الحركات السياسية العربية والاسلامية المختلفة في شمال إفريقيا والمشرق العربي، لمكافحة الاستعمار. ومن خلال تحقيق الوحدة العربية ستقوم النهضة العربية الباهتة بالتجديد والإصلاح كما وقع مع أوروبا في السابق مع أنهم لم يكن مع فكرة التشبه بما قامت به أوروبا والتشبه به وأيضا أحد الأفكار منهم. كما طالب الاستفادة من النهضة العلمية في اليابان، وتشجيع الصحافة لما لها من دور في تحقيق نهضة الأمة العربية فهي تساعد على تنوير الفكر من خلال نشر الأخبار، وطالب أيضا بزيادة عدد الصحف حيث أن هذه الزيادة تعني الزيادة في نهوض الأمة.

عموما كانت الجهود الإصلاحية لشكيب أرسلان منصبة نحو تحقيق وحدة عربية حيث حاول من خلال كتاباته أن يبن مدى تقدم العرب في السابق وأعطى أسبابا لذلك وبين انحطاط المسلمين في الوقت الحالي وبين سبب ذلك، فبالتالي لابد من إحياء هذا التراث لإعادة تلك الوحدة العربية الإسلامية لتحقيق نهضة تكون باعثة بالإصلاح.

الخاتمة
ما نخلص إليه في الختام أن شكيب أرسلان لم يدخر ولو قليلا من جهده في سبيل الأمة العربية الإسلامية ووحدتها، بل فعل كل ما باستطاعته لتقديم إصلاحات لإحياء التراث العربي القديم وتاريخ الأمة الإسلامية، وتمثلث كل جهوده الإصلاحية فيما أشرنا له سابقا بنظرته للحركة الكمالية ونقضه لفكرة تطبيق سياسة فصل الدين عن الدولة والذي يعني بالنسبة له انقسام الأمة العربية الإسلامية، بالإضافة إلى جهوده في دعم الحركات المناهضة للاستعمار بأفكاره الإصلاحية سواء في مصر أو تونس أو الجزائر وحتى المغرب.

تمت.

شكيب أرسلان وجهوده الإصلاحية “الجزء الثاني”