المستشفى وجه من وجوهها

سَرْدٌ بين أروقة وردهات المستشفى


أنت أيضا خطوْت لنفس المكان محلقا أو زاحفا على صدرك مع بحة مرة أو دمعتين تغمران أهدابك الكثيفة التي لطالما تغزل بها حبيبك الذي أفلت يده قبل خمس دقائق من الآن.
مع باقة أزهار فتية أو كأس ماء حلو أو قنينة ماء زهر طري، أو أوراق تحمل إمضاءات مرتجفة، أو كيس خفيف على يدك ثقيل على روحك يحمل قلادتها، لكنك خطوت.

الأمل خط رفيع جدا، أحيانا تتشبث به فيضمّك ليغرس أصابعه الطويلة بصدرك، أحيانا كثيرة ما إن تكاد تقبضه حتى يتلاشى، كسرب، كدخان، كبداية، كنظرة اللقاء الأول، كالوداع المشروع، حتى يقتلك.
تنتهي مهمتي ككل مرة عند باب المستشفى والمقبرة، أمامهما لا داعي لأنسج مقدمة دافئة عن تطورهما التاريخي، عن الآجورة الأولى والأخيرة، لا أحتاج لمصادر موثوقة أعزز بها كلامي، ولا لخريطة ولا ابتسامة ولا حتى التقاط صورة.
أمامهما تأخذ الأمور مجراها الصحيح، محاولات الثبات، محاولات الوقوف، محاولات استيعابها كأنها المرة
الأولى، الحياة.
كان حلما بسيطا أمام قانون الحياة، يكتمل مع حقيبة سوداء من جلد تحافظ على لونها قدر الإمكان أمام كل ما يخالف أرضها، حذاء متين، نظارات تريح الناظر إليك وتخبره أنك استعملتها لما صُمّمت لأجله، أسلوب دافئ غني
بالمعلومات، خريطة، وابتسامة.

فكرة التنقل من مكان إلى آخر، التعرف على ثقافات مختلفة مع التشبث بوسام الإنسانية المعلق على صدرك أينما رحلت وارتحلت، التقاليد التي نحب دائما اكتشافها وعدم الأخذ بها، استعمال البَهارات بشدة على هذه الضفة وتخفيفها على الضفة الأخرى، الألوان، الإيقاعات، لون العيون، التمردات التي لم تخلو منها بقعة على هذه الأرض، النجاحات التي نجدها معلقة عند المدخل، تتوسط مدارا أو حائطا أو شجرة.
جدران سميكة باهتة، تشكلت حولها مع مرور الزمن أصابع خشنة تثبتها بعد كل زحزحة.
سجاد مقلوب، خمسيني يكسوه هدوء غريب، هدوء الإيمان بخيبات الحياة، واستيعاب أن احتساء كوب شاي بالنعناع أهون من محاولة فاشلة للتمرد عليها وإعلان النصر لثواني مرتبكة .
وراء باب كبير باهت، ممر طويل بارد، تقابلني لوحة تحاول الوقوف يحملها طفل، صحيح يسمّونه “ملاكا” لفترة ثم يدللنوه قليلا بعدها ينهالون عليه بكل ويلات الدنيا لتجثم على صدره عمرا كاملا.

 ابتسمتُ بداية ثم سحبتها مباشرة بعدما رأيت جناحين يلتصقان بظهره المرهف، تماما نفس الفكرة التي غمرتك الآن، على أمل أن يكون لها تفسير آخر، وأن نكون على خطأ معا، كم نحب أخطاءنا حين ندرك أن الصواب منها سيسعدنا ولو للحظة.
تطفو غيمة عريضة فوقنا جميعا، تشتد بزاوية وتندثر بأخرى، أنا والجدران وجهاز الصدمات الكهربائية والزغاريد المكبوتة، ومشاعر العودة والضمة الأخيرة والوعود وعروق الأيادي البارزة.
يجب أن تمشي ببطء شديد حتى لا تفلت أي شيء، يجب أن تلاحظ بشدة، أن تمنح كل المشاعر التي تغمرك دقيقة أو أقل، لتنتقل بعدها لشعور آخر ينتظرك، لا يمكنك استيفاء هذه الجولة، بالانقضاض على شعور وإهمال الآخر، مع تدوين كل ذلك.
بدأت أبواب متوسطة الحجم، يكسوها لون أغمق قليلا تتكون أمامي على جبينها لافتة تُعَنْوِنُ المسار الذي أمامك.

تقرؤون أيضــاً على مدونة زوايــا

أحيانا كثيرة، يُستغنى عن اللافتات ويلقى بها، ويتم التشبث بالطبيب وسؤاله، يسأل حتى عن مكان الحديقة، إجابتهم تعني الأمان والأمل وما نريد سماعه، وحدها غرفهم شاهدة على عكس كل هذا.
عقدت اتفاقا مع أطرافي أن تبقى ملتصقة بي حتى الخروح، بعده مباشرة يحق لها التبعثر، لن أستجمعها هذه المرة بسرعة،لاضير إن أزحنا قناع القوة قليلا، وقابلنا العالم ببثورنا الغائرة و دقات قلوبنا المرتبكة.
الضعف والتخبط والارتباك و التناقض واحتساء الحزن أركان ثابتة في كينونة الإنسان، تحت طائلة عدم تجاوز كل هذا ليوم واحد كأبعد تقدير وتدويرها ترياقاً نحتسيه كلما اشتد بنا الشوق والحنين.

وأنا أحاول قراءة لافتة، اصطدم بي شاب، كان مسرعا جدا، لمحت فرحا لذيذا في مُقلَتيه، عرفت بعدها أنه عليه اقتناء قطعة شوكولا ممزوجة بالفستق المُرّ على الفور من أجل فرحة مسحت عنها رائحة قسم الإنعاش قبل قليل.
كل شيء هنا محكوم بالوقت، حتى رمشة العين قد تكلّفك بعد عقد من الآن اقتلاعها، وتعليقها بغرفتك، وتعقيمها كذنب.
الجميع يسرع، أتخيلهم جميعا يحملون تواريخ الوفاة والولادة، تواريخ الوقوف بينهما، أجَرّبْت أن تكون معلقا بينهما؟ لا يحق لك الميل لجهة دون الأخرى ،دون انتماء ولا جذور ولا أرض تقبر داخلها ولا سماء واسعة تسع حلمك ولا قارعة طريق تأخذ عندها نفسا طويلا أو تكتب عليها شعرا يضمن أنك مررت من هنا يوما ،فقط يمكنك أن تهوي.

الجميع ينظر لنقطة ينتهي عندها الممر تترنح بين خطين لا يلتقيان، يترجمان على محيا خط دفاع الأول.
مهما اختلفت طريقة خروجنا من هنا فهي تصب في معنى التقديس، تقديس اللحظات التي قضيتها مع أحبابك، تقديس ابتساماتك العفوية، تقديس القفز والرقص والتراقص، تقديس اللعب والصراخ وتوزيع اللعنات، تقديس زقزقة العصافير والصباح ونسيم الليل الصيفي، تقديس تمرداتك وانتصاراتك الصغيرة جدا، تقديس لحظاتك مع نفسك وتمديدها والانفجار بداخلها، تقديس الرحيل وإفلات الأيادي والركون بعيدا، تقديس الذكريات التي ستؤنسك هناك شجرة تظل الأحباء شاهدة على كل الوعود الباهتة المبرمة عند حضرتك، تقديس فكرة أن الحياة كِذبة حلوة يجب أن تُعاش.

أحلام مساعد سعيد

المستشفى وجه من وجوهها