أزمة البحث العلمي والتطوير في العالم العربي

المشاكل و العراقيل التي تواجه البحث العلمي في العالم العربي

حينما نتكلم عن البحث العلمي والمعرفي والتطور التكنولوجي في العالم نجد أن بلدان العالم العربي لا محل لها من الإعراب في هذا المجال، بعيدة كل البعد عن ما يتعلق بالبحث والتطوير والمعرفة، حتى وإن حاولت فهي تقوم بمحاولات بسيطة للغاية لا ترتقي إلى الدرجة التي تليق بالحضارة التي بنت عليها أوروبا نهضتها الفكرية والعلمية، فبالرغم من أن أول ما أمرت به شعوب الأمة الإسلامية في دينها الحنيف هو طلب العلم والمعرفة وذلك يتجلى في قوله سبحانه ( اَ۪قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَ۬لذِے خَلَقَۖ ) سورة العلق الآية 1، فهي حاليا لا تطبق أية منظومة حقيقية مبنية على دراسات دقيقة تمكنها من النهوض بالبحث العلمي والتقني والتطوير التكنولوجي، وكأننا لا نعيش في القرن 21م، وكأن صفة المستهلكين تليق بنا، فلا إبداع ولا تطور حقيقي قائم داخل بلداننا، وذلك ناتج عن عدم الإهتمام الكامل بهذا المجال، فالميزانيات التي تصرف على البحث العلمي والتطوير داخل بلداننا العربية نسبتها مخزية، إذ لا تتعدى 0،8% من الناتج المحلي الإجمالي مع العلم أن المعايير التي وضعتها منظمة اليونسكو لجودة البحث العلمي موزعة كالآتي :

الدرجة المثالية: تتعلق بالدول التي تنفق أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
الدرجة الجيدة: تتعلق بالدول التي تنفق نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
الدرجة المتوسطة: تتعلق بالدول التي تنفق ما بين 1% و لا تصل لنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
الدرجة الضعيفة: تتعلق بالدول التي تنفق أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي.

فإذا أخذنا مثلا النسبة التي تنفقها بعض البلدان العربية في هذا المجال حسب إحصائيات 2018م، نجد أن المغرب يخصص نسبة 0.71% من ناتجه المحلي الإجمالي، الأمر الذي لا يليق ببلد تاريخه عريق في المجال العلمي والمعرفي، خصوصا وأن أول جامعة في التاريخ ظهرت فيه وهي جامعة القرويين، فلو كان بيننا اليوم إبن طفيل وإبن رشد وإبن البناء المراكشي والشريف الإدريسي وإبن زهر وعباس بن فرناس وابن خلدون وجل روادنا العباقرة الذين كرسوا حياتهم للبحث والعلوم لبكوا دما على حالنا هذا، إذ أصبحنا نعطي اهتماما مبالغا فيه للتفاهة ولصناعها الأوفياء، بترتيب برامج إعلامية بميزانيات ضخمة تتم متابعتها بشكل يومي أو أسبوعي من طرف الشباب الذين هم عماد المجتمع، ولا يمكن أن نحملهم المسؤولية كلها لأنهم ضحية سياسة تعليمية ثقافية خبيثة يتم نهجها داخل كل البلدان العربية لصرف الأنظار عن القضايا الأولية التي سنرتقي من خلالها ونبني مستقبلا زاهرا يليق بماضينا العريق.

فلا يعقل أن يخصص العراق البلد الذي يعرف بتاريخه المجيد في العلوم والمعرفة نسبة 0.04% للبحث العلمي من ناتجه المحلي الإجمالي الذي يبلغ 224.23 مليار دولار، بينما البرتغال التي تقربه في معدل الناتج المحلي الذي يبلغ 240.68 مليار دولار تخصص نسبة 1.32%، وتخصص فنلندا نسبة 2.76% من إجمالي ناتجها المحلي الذي يبلغ 276.74 مليار دولار بينما تخصص مصر نسبة 0.72% من ناتجها الإجمالي الذي يصل إلى 260 مليار دولار، إذن نلاحظ فرق شاسع بين هاذين البلدين بخصوص النسبة المخصصة للبحث العلمي. زيادة على ذلك فإن دولتي السويد والدنمارك تخصصان أكثر من 3% من إنتاجهما المحلي الذي يقدر على التوالي ب 556 و 355.68 مليار دولار، كما تخصص سنغافورة أيضا 2.17% من ناتجها المحلي البالغ 364.16 مليار دولار إضافة إلى جارتها ماليزيا التي تضع 1.44% من ناتجها المحلي الإجمالي أمام البحث العلمي والتطوير، بينما السعودية التي تملك ناتج محلي أكبر بكثير من ناتج كل هذه البلدان المذكورة والذي يبلغ 786.52 مليار دولار تخصص هذه النسبة المخزية التي تقدر ب0.8% للبحث العلمي والتقني إضافة إلى الجزائر والكويت البلدان اللذان يعتبران من كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي في العالم يخصصان على التوالي 0.54% و 0.71% من ناتجهما المحلي على قطاع التعليم. إذن كل المعطيات تدل على استمرار ضعف منظومة الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي ووجود مشكلات حقيقية تعيق تطورها وإنتاجها المعرفي ومساهمتها الضرورية في التنمية والإبداع. فالجامعات ومؤسسات البحث العلمي تكتسب أهمية قصوى في تنمية الاقتصادات الوطنية وتطوير الصناعات وابتكار التقنيات والاختراعات، ولا تنهض الأمم من دون تلبية حاجاتها الاقتصادية والتنموية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بلورة سياسة بحث علمي طويلة الأمد وتأمين الدعم الواسع لها. وعلى سبيل المثال فإن ماليزيا والمغرب كانتا في المستوى العلمي نفسه في بداية هذه الألفية، لنجد أن ماليزيا تتجاوز اليوم الإنتاج العلمي المغربي بمراحل، بفضل استراتيجية للبحث العلمي تشجّع الإنتاج العلمي والابتكار وتغذي البحث التطبيقي المحض.

إن العالم يسير بسرعة فائقة في مجال التطور التكنولوجي والأبحاث العلمية، ويتجلى ذلك بقوة في الصناعات الفضائية التي تنبؤ بالغزو الفضائي مستقبلا إذ أن الدول الرائدة في هذا المجال كالولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند واليابان، وضعت خططا ومنظومات عملية محكمة لبناء قواعد على سطح القمر من أجل استخراج الثروات الباطنية التي يحتوي عليها بالإعتماد على دراسة الصخور القمرية التي أحضرتها بعثات أبولو معها إلى الأرض، أصبح العلماء على بينة من غنى سطح القمر بالمعادن النادرة. ووجدوا أن سطحه يتكون من الغبار الناعم يدعى “ريغولث” أو الحطام الصخري ويحتوي على عناصر مثل الذهب والبلاتين والبلاديوم والتيتانيوم والحديد والألومينيوم، ويتوفر كذلك على كمية مهمة من المياه التي تحتوي على عناصر طاقية في قطبيه الشمالي والجنوبي إذ يمكن استخدام هذه المياه وقودا للصواريخ، وله تربة غنية بالأوكسجين الذي سيستخدم في التنفس وإنتاج الوقود على سطح القمر حسب الخبراء وعلماء الفلك الدوليين الذين أكدوا على أن القمر أصبح منجما للمستقبل، كما أنه سيمكن من إنشاء نقاط للتزود بالمؤن خلال بعثات المستقبل للمريخ، الأمر الذي أدى إلى سباق فضائي للوصول إلى سطح القمر والتعدين عليه بواسطة إنشاء معسكرات هناك، حيث وجهت وكالة الفضاء الأوروبية ESA أنظارها نحو القمر مؤكدة على إنشاء قاعدة أوروبية خالصة على سطحه قبل حلول 2025، وهناك خططا لوكالة الفضاء الروسية Roscosmos لبناء قاعدة قمرية خلال هذه السنة الجارية، وكذلك الأمر بالنسبة للوكالة الفضائية القومية الصينية CNSA حيث اقترحت بناء مستعمرة كهذه ضمن الإطار الزمني نفسه، ويعود الفضل في ذلك إلى إنجاح برنامجها تشانجي change program، إضافة إلى الهند التي تسعى بدورها إلى استيطان القمر حيث قامت خلال 18 نونبر 2008 بإرسال أولى بعثاتها Chandrayaan،اليابان والولايات المتحدة الأمريكية بدورهما يسابقان الزمن من أجل استيطان القمر لنفس الأهداف التي دفعت باقي الدول الرائدة في الأبحاث الفضائية إلى تبنيها
لكن ماذا عن البلدان العربية والإسلامية بخصوص هذا الأمر؟. ليس هناك أي مجهود يذكر لها، كما أن التحدث عن هذه القضايا العلمية المتطورة غائب ومغيب في إعلامنا العربي، وكأننا نعيش في القرون الوسطى. فالشعوب العربية لازالت تطالب بحقوقها المدنية التي تتجلى في توفير الخدمات الصحية وجودة التعليم وتحسين الحالة الاجتماعية للمواطن وتحقيق الديمقراطية في بلدانها، وهذا ما يمنعنا من التحرك ولو بخطوة واحدة إلى الأمام. فلا وجود لإبداع داخل مجتمعاتنا ولا وجود لرؤية مستقبلية واضحة المعالم تمكننا من رسم مسار حقيقي يرشدنا إلى صناعة مستقبل زاهر وتحقيق اكتفاء ذاتي في جميع النواحي، وكل هذا ناتج عن ضعف الإرادة والمسؤولية وغياب الطموح والاستبصار سواء من طرف السلطة الحاكمة أو من طرف المجتمع المدني. إذ نعطي اهتمامنا لما هو تافه ونقدر صناع التفاهة أكثر من الفئة المثقفة، ونعني بهذه الفئة هنا الأساتذة الذين يتم قمعهم في الشوارع بسبب مطالبتهم بالحقوق المدنية المشروعة، فكيف لبلدان لا تراعي مصلحة الأساتذة والمعلمين الذين كادوا أن يكونوا رسلا، أن يتقدموا ويتطوروا ويصنعوا حضارة بمعالم متطورة عصرية؟، وكيف لبلدان أن تتقدم في حين أنها لا تقدم الدعم والاهتمام اللازمين لطلاب الجامعات الذين يحملون إرادة حقيقية من أجل التغيير بل إننا ننظر إلى هذه الفئة نظرة الغريب في مجتمعاتنا؟، فبعدم توجيه اهتمامنا لها نقتل روح الإرادة والطموح فيها، فإما أن تنسلخ من هذه الروح وتترك ما بحوزتها وتعيش حياة عبثية لا هدف لها، أو تشترى روحها الطموحة الغيورة من الخارج ونتكلم في هذه الحالة عن ما يسمى بهجرة الأدمغة، أجل الأدمغة التي لم تجد المناخ المناسب في بلدانها للإبداع والابتكار والتطوير العلمي والمعرفي.

تم الاعتماد على المصادر التالية:

المعطيات والنسب المتعلقة بالبحث العلمي والتطوير : https://data.albankaldawli.org
المعطيات المتعلقة بالابحاث والإبتكارات الفضائية : https://nasainarabic.net
https://arabic.sputniknews.com
https://arabic.cgtn.com
https://arabic.rt.com

أزمة البحث العلمي والتطوير في العالم العربي