“تاريخ سجلماسة” الجزء الأول

التعريف بسجلماسة جغرافيا

تعتبر سجلماسة في المصادر التاريخية، من أكثر المدن المغربية المندثرة شهرة على الرغم من اختفاء معظم معالمها وشواهدها التاريخية التي لم يعد ظاهرا منها غير بعض البقايا القليلة جدا حسب الدراسات الأثرية التي تمت بالمنطقة.


فسجلماسة مدفونة تحت التراب، ويحكي التاريخ عن الأحداث التي مرت بها والمكانة التي كانت تحتلها، حيث كانت ثالث مدينة إسلامية تشيد بالمغرب بعد القيروان ونكور، وعاصمة أول إمارة مستقلة عن الخلافة بالمشرق في بلاد المغرب وهي إمارة بني مدرار، وقد كانت هذه المنطقة إبان الفتوحات الإسلامية من أغنى المناطق في المغرب وذلك للأرباح التي كانت تدرها عليها التجارة مع السودان، ولهذا كانت سجلماسة مثالا للمدينة النموذجية التي قدمت الكثير للحضارة الإسلامية، وساهمت بشكل فعال في بناء الشخصية المغربية المعروف عليها خصال التمسك بالأصالة مع الانفتاح على الجوانب الايجابية للحضارات المجاورة، تجسيدا لقولة ابن خلدون “إن الاجتماع البشري ضروري وهو معنى العمران”، لذلك فالتراث العمراني لهذه المنطقة يمثل الظاهرة المجسدة للأحداث التاريخية، إذ أن المكونات المعمارية هي الشاهد الوحيد الدال على المنجزات التاريخية والإنسانية، وهو ما يستدعي الاهتمام بهذا التراث من كل زواياه من أجل التدقيق في المعرفة الجغرافية والتاريخية لهذه المنطقة، لذلك وجب التعريف بها من الناحية الجغرافية والتاريخية.

المبحث الأول
سجلماسة من الناحية الجغرافية
تقع سجلماسة في قلب واحة تافيلالت والتي يبلغ أقصى علوها 765 م فوق سطح البحر، وتنخفض باستمرار في اتجاه الجنوب. تبلغ مساحتها 300 كلم، وتتخللها بعض المرتفعات الجبلية مثل (الجبيل) و (ريش هارون) و (تيغراس)، لذلك نجد أن كلمة سجلماسة تطلق على مجال جغرافي واسع، ومدلول كلمة سجلماسة في المجال غير ثابت لأنه كان يتسع ليشمل مناطق بعيدة عن المدينة التي تحمل نفس الإسم، ثم يتقلص ليقتصر على مجالات غير بعيدة عن التطورات السياسية للمنطقة.

سجلماسة في فترة حكم المدراريين تدل على إمارة امتد نفوذها غربا حتى منطقة درعة، ثم عرفت اتساعا كبيرا في عهد المغراويين الذين بسطوا نفوذهم على مناطق قريبة من فاس، ثم أصبحت فيما بعد ولاية تابعة لمختلف الدول المغربية كالمرابطين والموحدين والمرنيين فهي تضم الواحات المتعددة على طول واد زيز وفي ذلك قال ابن حوقل “سجلماسة تمتد على مسيرة خمسة أيام” وياقوت الحموي الذي جعل المسافة بين فاس وسجلماسة عشرة أيام تلقاء الجنوب فتكون المساحة التي يمتد عليها إقليم سجلماسة من حدوده الشمالية عند خط تقسيم المياه بين واد زيز ووادي ملوية التي تخوم الصحراء الواقعة إلى الجنوب من مدينة سجلماسة، دون ذكر حدود الأقاليم الشمالية ومدينة فاس، ولا يتنافى كلام ياقوت الحموي مع ما جاء به ابن سعيد الذي قال “وإليها خمسة أيام في العمائر والخيرات ثم ينصب نهر ملوية الذي يصب في بحر الرومان”؛ وذكر الحسن الوزان أن “سجلماسة إقليم يستمد اسمه من المدينة الرئيسة فيه ويمتد على طول واد زيز، يبتدئ من الخنك من المضيق القريب من مدينة غار سلوان ونزولا نحو الجنوب على مسافة مئة وعشرين ميلا حتى تخوم صحراء ليبيا …” ، وعليه فإن امتداد سجلماسة من الشمال إلى الجنوب يناهز مئتي كلم، لكن هذا لم يكن مقررا فاصلا بمجالها حيث سنجد اختلافا على ذلك. فتم الإستنتاج على أن طولهما يبلغ مئة وخمسين كلم من الشمال إلى الجنوب.

لكن على العموم سجلماسة تقع في المناطق الجنوبية للمغرب الأقصى على مشارف الصحراء الكبرى، وتشمل مساحات شاسعة بين خطي عرض 30 و 20 و 31 شمال خط الاستواء. وتحد شمالا بالأطلس الكبير الشرقي وجنوبا بحمادة كمكم وغرب بالأطلس الصغير وشرقا بحمادة كير؛ وذلك ما يجعل مناخها وغطاءها متميزا عن المناطق الأخرى. فبالنسبة للمناخ، وبحكم أن موقع سجلماسة على باب الصحراء الكبرى، فهي لا تتعرض للتأثيرات القادمة من البحر بسبب ارتفاع الحدود الشمالية والجنوبية والغربية منها، وقد ميز أحد الباحثين وهو موني بين ثلاثة نطاقات مناخية في جنوب المغرب أولها يعرف تساقطات ضعيفة ويشمل واحات سوس والمناطق الواقعة شمال غرب الأطلس الصغير وجبل سيروى، ثانيها يمتاز بارتفاع درجة الحرارة وقلة التساقطات أيضا ويشمل المناطق الواقعة إلى جنوب الأطلس الصغير والأطلس الكبير الشرقي ما بين الساحل المحيط غربا والجزائر شرقا مرورا بتافيلالت، وأخيرا النطاق الصحراوي شاسع ويمتاز بمناخ قاري جاف .

أما بالنسبة لتربة هذه المنطقة فنجد أن المصادر أجمعت على أن أرض سجلماسة هي سبخة، ونعلم أن هذه المصطلح يطلق على التربة التي تكثر فيها نسبة الملوحة، حيث قال البكري “ومدينة سجلماسة مدينة سهلية أرضها سبخة وحولها أرباض كثيرة”، وهذا هو نفس ما أكد عليه محمد بن إبراهيم الأنصاري الكتبي حين قال “توجد سجلماسة في المناطق الصحراوية على منطقة مستوية وأرضها سبخة”، ولعل أن هذا الأمر هو الذي يؤثر على الغطاء النباتي حيث نجد أن المنطقة تفتقر إلى غطاء نباتي كلما توغلنا نحو الجنوب، فمناخ هذا الإقليم الذي يتسم بارتفاع درجة الحرارة لا يساعد على وجود أي غطاء نباتي كثيف، باستثناء ضفاف الأودية التي تمثل مجالا رطبا نسبيا تجتمع فيه الأشجار الشوكية وبعض النباتات الأخرى مثل شجرة الأثل التي لا تحتاج إلا لقليل من الماء ويشتغل بمنتوجها في الدباغة، وهناك شجر النخيل الذي لديه قدرة في البحث عن الماء في الطبقات الجوفية .

يتبع…

“تاريخ سجلماسة” الجزء الأول