الطراح

تتعدد طرق استغلال الأطفال حسب الحقب الزمنية والنتيجة واحدة -الطراح نموذجا-

جلست لوحدي وأبحرت بروحي ووجداني وعيني عبر الماضي، فتذكرت أحبابي وناسي، أهلي وجيراني وحيي، وعلى ذكر حيي، عاد إلى مخيلتي وسمعي صراخ أطفال الحي وخاصة حين كانت والدتي – رحمها الله- ترغب بقيلولة فيحرمها ذاك الضجيج من الإغفاء والإسترخاء قليلا. وعلى ذكر الصراخ، كانت تمر بين كل حين وآخر، وخاصة حين بزوغ كل صباح، أقدام صغيرة حافية ومتسخة، وكان لكل قدمين صغيرين رمز وكان لكل طفل أو مراهق صرخة خاصة يستعملها كي تسمعه كل ربة بيت ترغب في أن يحمل خبزها إلى الفرن الشعبي المخصص لكل حي.

وكانت تلك الأقدام الصغيرة تحمل جسدا هزيلا ووجها مصفرا شاحبا وكانت من بين تلك الأجساد البريئة، هياكل ربما بالكاد تقول إنها لأطفال ما زالوا في فتوة عظامهم، لأنها من سوء تغذيتها انطوت وكأنها لكهول تقوست وشاخت. أجل إنها الحقيقة المرة والتي أتذكرها بكل حذافيرها، كانت كل سيدة حينما يخمر خبزها، تنادي من على شرفة منزلها أو من عتبة بابها على ذلك الطفل أو المراهق الصغير:” الطراح الطراح” فيأتي مسرعا ليأخذ خبزها إلى الفرن الشعبي الموجود بالحي، وكان عليه أن يتم المهمة ويعيد الخبز إلى صاحبته، وتكون تلك الخشبة أو ما يسمى بالعامية ” الوصلة” تحتوي على ما مجموعه قد يصل إلى خمسة أو سبعة أو ربما حتى عشرة أ خباز، وكل خبزة ما -شاء الله – كانت بقطر عجلة الشاحنة، ورغم ثقلها كان “الطراح” يتحمل.لكن قد تتساءل من أجل ماذا يتحمل ؟ من أجل كسرة أو ما يسمونها ب “الپيوا” وفي سبيل كسب سنتيمات يعود بها إلى أسرته.

في مرة سألت والدتي رحمها الله أحد أولئك الأولاد قائلة: “- كان قد أتى ليحمل خبزنا إلى الفرن- هل تجد اكتفاءك في هذه الخدمة؟” فأجاب: “حبابي- يعني سيدتي أدبا- إذا رجعت إلى المنزل دون نقود فسوف تبيتني زوجة والدي في زقاق الحي ولن تدخلني إلى أن أعود بمدخول يومين، وقبل أن تقوم هي بذلك فسوف يلقنني والدي فلقة تمنعني من المشي لمدة طويلة“. كل هذا الحديث لا زال عالقا بذهني لأنه كان واقعا مرا وأليما عاشته البراءة التي هضمت حقوقها، ولم تجد في تلك الفترة من ينتشلها من مأساتها. أضف إلى ذلك كان الولد “الطراح” محروم من وقت فراغه، فهو حتى وإن لم يكلف بأخذ الخبز للفرن، يقوم بأعمال أخرى مثلا؛كجلب الماء من السقاية الشعبية للمنازل التي تنعدم فيها صنابير الماء،أو يحمل الأزبال للأسر من العمارات، أو يساعد الأمهات وقت اقتنائهن لوازم كثيرة لبيوتهن، وكانت النسوة آنذاك منهن من تحن قلوبهن عليه، فتقدم له ربما وجبة من الوجبات أو حتى بعضا من ملابس أولادها، مع العلم أن “الطراح” كان يمشي حافي القدمين وكان كلما تصدق عليه مخلوق بحذاء يضطر لبيعه كي يحصل على قوت يومه.

لقد عانى “الطراح” الويلات ثم الويلات فكم سقطت دمعته! وكم حرم من طفولته! وكم تألم ولم يشعر به أحد! فتجده يتيما فقيرا مقهورا توفيت أمه أو والديه معا، زيادة إلى ذلك كان صاحب الفرن الشعبي والخباز، يعاملانه بقساوة وشدة وصرامة، فيحس بنفسه مقهورا معنفا لا يرحمه كل الكون، حينما أعود بذاكرتي إلى تلك الحقبة أتخيل ذلك الطفل أو ذالك المراهق البئيس كم كانت عيناه دوما تمتلئ دموعا، ووجهه كم كان شاحبا حزينا، يحكي من دون أن يتكلم، وكم كان جسمه يروي تعنيفا وألما قاسى ويقاسي منه من غير أن يشكي أو ينتفض، لأنه إن فعل ذلك فهو يعلم ماذا سيلحق به.

إن “الطراح” مثله مثل “عاملات البيوت القاصرات” في تلك الفترة، تجرع الويلات وجرد حتى من كلمة طفل، وقد سلبت منه إنسانيته في سكوت منذ نعومة أظفاره ولم ينصفها أي كائن على وجه الأرض، لذا فقد اعتبرت هذا الحرمان والظلم حربا ضد الطفولة ووأدها بقصد وبلا رحمة ولا احترام لما ينص عليه ديننا. إن هذا كله يمكننا أن نسميه اغتصابا للطفولة البريئة، وإبادة جماعية لحقوق أطفال ولدوا كي يتربوا أطفالا فسرق منهم كل ما يستحقونه في هذا الوجود. إذا كنا اليوم لا زلنا نسمع أو نرى صغارا يغتصبون، فأولئك الصغار يصنفون ضمن هؤلاء.

شئ آخر مقزز في هذه الرواية هو أن كلمة “طراح”يعتبرها العامة لغة استهزاء وكأنها مرادف لكلمة “الحمار” فتجد ولي أمر ينعت ابنه بتعبير ساخر قائلا:” انظر لقدميك عليها قاذورات كالطراح- أو أين كنت تسرح الأزقة كالطراح-“.

إننا قبل وبعد أصبحنا نشبه أي إنسان متسخ أو حافي القدمين ب” الطراح” كمناداتنا لمن اختلطت عليه بعض الأمور ب”الحمار” ربما هذا الشخص والذي امتهن تلك المهنة ” تطراحت” سوف يعيش طوال حياته مقهورا لأنه حتى وإن استقال من ذلك العمل فهو ما زال يهان وتمسح به الأرض، كل واحد حكمت عليه ظروفه وفرضت عليه طرقها في العيش لا بد للبعض أو العموم أن يسخر منه بل ويجد حلاوة في استعمال إسمه أو إسم حرفته كمصطلح للإستهزاء، لذا دعونا نترك ما حرم علينا من ألقاب كيفما كان نوعها. يقول تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٞ مِّن قَوْمٍ عَس۪يٰٓ أَنْ يَّكُونُواْ خَيْراٗ مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَس۪يٰٓ أَنْ يَّكُنَّ خَيْراٗ مِّنْهُنَّۖ وَلَا تَلْمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُواْ بِالَالْقَٰبِۖ بِيسَ اَ۬لِاسْمُ اُ۬لْفُسُوقُ بَعْدَ اَ۬لِايمَٰنِۖ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لظَّٰلِمُونَۖ} (الآية 11 من سورة الحجرات)
فلنعش حياة طيبة ولنترك الغير يستشعر بجمالها معنا..

الطراح