“عبق الماضي” الجزء الثالث

عن الحب و الانفصال

لقراءة الجزأين السابقين:
الجزء الأول الجزء الثاني

———————————————————————-

بالأمس و أنا أتصفح إحدى الجرائد الإلكترونية بركن القصص آثارت انتباهي هذه الجملة (الإنفصال جزء من الحب) جملة بسيطة إلا أنها ذات معنى عميق طريقه موضوع فلسفي محض.

فمن خلال ما عشته ورأيته بمحيطي بعض العلاقات بشتى أنواعها لا تنتهي رغم الإنفصال حتى وإن سلك الطرفين فيها طريقين مختلفين، وانقطعت سبل الوصال بينهما فلا أحد يوصد بابه بشكل نهائي ودائم.

مثل هذه العلاقات أشبه بالليالي الطويلة المقمرة التي يسودها الهدوء، ليال ناعمة ومريحة، تتمنى لو أنها لا تنقضي وتبقى خالدة رغم اليقين التام أن الصبح سيحل، لأنك أحببتها وأحببت كونك جزءا منها.

هناك أشخاص لا يسري عليهم قانون النسيان والفراق أو البقاء ولايحدد مكانتهم في حياتنا، إنهم يقيمون بداخلنا حتى وإن تخلوا ورحلوا فأحاديثهم حركاتهم وكل شيء يخصهم تفاعل مع جيناتنا وأعطانا جينات أخرى تحمل شيئا منهم.
هؤلاء الاشخاص هم أناس تربى بيننا وبينهم الإحترام قبل المحبة، جمع بيننا وبينهم حسن الظن والعطاء المتبادل كنا جيدين كفاية حتى أننا لم نفكر للحظة أن كل شيء بيننا سينهار ويندمل يوما.

متعددة طرقنا وقادرة على أن تنسينا ونذكرنا بهم بالرغم من أن الحياة أخدتنا في سبل متفرقة، أحببنا العودة لكن الطرق تأبى أن تتوحد فتظل القلوب شاكرة لكل شيء ويظل الانفصال قائما على كل شيء. فالقلوب المحبة الصادقة تعلم أن الإنفصال جزء من الحب، لذلك عندما يفترق شخصان فهذا لا يعني أنهما سيموتان قهرا من عذاب الحب والقطيعة، هو الشوق سيفعل فعلته لمدة من الزمن على الأقل حوالي بضعة أشهر سيجبر فيها إلى الخضوع له والبكاء كثيرا والارق أحيانا، سيكبر الحنين في كل يوم مع كل ذكرى ومع كل نبضة حب تزداد، لكن لا أحد سيغادره النفس، لأن الطرفين قررا ألا تجمع بينهما الأيام المقبلة، ربما كي لا يؤدي أحدهما الآخر بدون قصد، أو لأن أحدهم له ظروفه الخاصة ويريد إنهاء العلاقة حتى لا يرهق الآخر.. أو ربما لأن الموت قررت أن تخطف أحدهما عن عجل، الموت كذلك شكل من أشكال الإنفصال، لكنه الشكل الأشد ألماً وندماً، لأن كل الاعذار السابقة تبدو تافهة أمامه، فما دامت هناك حياة فهنالك فرصة ثانية.

يقولون أن البعد يزيد الحب، لقد أصابوا فليست كل علاقة تنتهي تتوقف عندها المودة والإحترام والوفاء، أحيانا كل هذا يكبر أمام أعين البعد، وتصير تبحث عن الخلاص والنسيان، بل تعيش وفيا للذكريات، وكلما مررت على الصور تتذكر تفاصيل اللحظات الأولى محبا وممتنا أو ربما كارها ومتمنيا عدم حدوث تلك اللحظة الأولى، فتبتسم بإحساس مزدوج فتغمرك ذات الأحاسيس التي كرهت أن تكون مجرد ماض لك.

تقدر قيمة ذاك الشخص الذي كان يوما ما ملاذك وملهمك لكتابة مذكراتك، وعلى غفلة منك تجد نفسك أنك بدأت بحبه من جديد. يستمر الوضع هكذا إلى أن تظن أن الفراق بينكما مجرد جسر تعبران عليه لتلتقي أروحكما فيه من جديد.
كل تلك القيم الاخلاقية التي تخللت مثل هذه العلاقات تبقى قائمة لا يضمحل مفعولها فتلك الإرتباطات التي سادها الإحترام والتقدير والتعاون في الضراء قبل السراء وحافظوا على تلك الصورة الطيبة لبعضهم البعض حينما يصادف أحدهم الآخر أو يحادثه الناس من حوله فهو لا يتصرف وكأنه لا يعرفه بل قد يمتدحه أو يثني عليه.

فأحيانا يظن البعض أن الإنفصال لم يزرهما، لأن طريقته في الحديث عن ذاك الشخص بأرق العبارات تلغي عقد الفراق بينهما؛ فغالبا ما تتوج باللقاء والإجتماع ثانية، قد حدث توقف للزمن بينهما لكن قلوبهم إستمرت في تحريكهم نحو بعضهم البعض، فإزدادت قوتهم، فالقوة حقا لا تكمن في من سيستطيع التوفق في نسيان الآخر أولا، نحن لسنا في حلبة صراع فقلوبنا لم تخلق لهذا، الإنتصار الحقيقي يكمن في أن لا نؤذي مشاعر من نحب سواء كنا معا أو لم نكن.

فعندما تنتهي صلتك بالآخرين وتظن أنه عليك أن تحس إتجاههم بنوع من البغض وتحاول تفاديهم كأنهم نكرة وحينما تراهم في بلاء تشمت فيهم ثم تفشي أسرارهم بين الملأ وتحاول أن تسيء لهم قولا أو فعلا، فعذرا! ان قلبك ما كان يحب بالأساس، ولا حتى بإدراك معنى هذا الشعور، فالحب لم يكن أبدا شقا من الأنانية ونكران الآخر، لم يكن خبثا ولا تلونا كالحرباء، الحب يبقى أثره واضحا حتى وإن زالت كل الروابط.

قلوبنا إن أحبت لا تعرف بعد ماذا يعني الهجران، تعيش تغزل حكايا ترويها لكل كرية دم حديثة الولادة، لتجري هذه الأخيرة تقفز من الحب حتى توصله لكل بقعة جغرافية بالجسم، ويبقى الأمل بداخلنا مشتعلا، فكلما مررنا بالناس تركنا أريجا طيبا.

ليست التعاريف المتداولة هي التي تملي علينا القيام بأشياء لا نرضاها، وليست هي ما يحدد ملامح قلوبنا، قد نتقبلها بحكم الظروف لكننا نعيد صياغتها لتعاريف نرضاها، فالانفصال قد يعني للبعض أنه نهاية النهاية، وللبعض الآخر أنه نهاية البداية، وبين كل هذه الدلالات والمعاني لا تجعلوا المفاهيم هي التي تبنيكم بل كونوا أنتم من يبنيها، ولا تجعلوا بينكم وبين من تحبون وسطاء لحبكم، فهناك أشخاص لا يحبون الحب ولا المتحابين ويحسدون الناس على سعادة قلوبهم، وإن إنفصلتم وتباعدتم عن بعضكم فلا تتخلوا، إن الله الذي يمنع هو نفسه الذي يمنح.

يتبع…

“عبق الماضي” الجزء الثالث