“التفكير العلمي” الجزء الثاني

لنكتسب عقلية علمية تتصدى للخرافة والأسطورة

رابط قراءة الجزء السابق:

الجزء الأول


مر العلم من مراحل ومحطات شكلت أهم معالمه ومكنته من التخلص من المفاهيم غير الدقيقة التي كانت تعيق تقدمه، ومع مرور الأزمنة تبلورت مناهج وأساليب ممارسته حتي أصبحت اليوم أفضل نموذج للدقة والانضباط في استخدام العقل البشري.

ومن الصعب رصد نقطة بداية ذلك النشاط الذي نطلق عليه اسم العلم، ذلك أن الإنسان، ومنذ العالم القديم، كان يقوم بسلوكات بدائية أسهمت في تهذيب تفكيره وأكسبته خبرات أدى تراكمها إلى ظهور البوادر الأولى للتفكير العلمي. وقد راكمت الحضارات الشرقية القديمة حصيلة ضخمة من المعارف ساعدت الإنسان في تحقيق إنجازات كبرى مستفيدا من المعارف الموروثة عن الإنسان البدائي وما تلاه. لتكون بذلك هذه الحضارات الشرقية بارعة في الإستخدام العملي للمعارف دون أن تجيد تحليل هذه المعارف، وهو ما كانت تتقنه الحضارة اليونانية.

أما في العصور الوسطى فقد كان شائعا عند اليونانيين أن العلم وصل قمته العليا عند أرسطو، وأن المعلم الأول قال الكلمة الأخيرة في ميدان العلم، حيت كانت كتاباته كافية في نظرهم لتقديم تفسير كامل للطبيعة، ثم حدث نوع من التحالف بين الكنيسة وتعاليم أرسطو مما أكسب هذه الأفكار قداسة دينية أصبح الإعتراض عليها نوعا من الظلال، بل حتى نقدها يعرض صاحبه للخطر!

أما المسلمون فقد عاشوا حينذاك فترة ازدهارهم وجمعوا بين النظرية والتطبيق، حيث أنهم وضعوا أسس علم الحساب والجبر وتفوقوا في الهندسة التحليلية ودشنوا عصرا جديدا استخدمت فيه الرياضيات للتعبير عن قوانين العالم الطبيعي. وقد احتفظ العلم الإسلامي ببعض العناصر السلبية التي ترجع إلى اليونانيين كفكرة “الأمزجة” التي أكدتها كتابات الأطباء اليونانيين وسلم بها ابن سينا في كتاباته.

أما في العصر الحديث فقد تظافرت مجموعة من العوامل، من بينها الدعوة إلى ضرورة استقلال العلم عن الفلسفة استقلالا تاما (الفيلسوف الإنجليزي فرانسس بيكن)، وأدت إلى الإنتقال من أسلوب التفكير السائد بأوروبا في العصور الوسطى إلى أسلوب التفكير العلمي الحديث.

وقد غيرت التكنولوجيا معالم الحياة البشرية خاصة في القرن العشرين، فالتلاحم الوثيق بينها وبين العلم أدى لحدوث ثورة صناعة خاصة بعد إعطاء التكنولوجيا دفعة قوية بعد ربطها بالبحث العلمي، وقد نتج عن هذا التحالف عدة تحولات كبرى فالطاقة البخارية مثلا حلت محل الطاقة المائية والحيوانية، واستخدم الفحم وقودا للمصانع …
هذا الجمع بين العلم والتكنولوجيا ازداد قوة بالتدريج فأصبح التطور الذي كان يأخذ مئات السنين يستغرق سنوات قليلة، ليكون بذلك مصدر قوة الإنسان المعاصر، ولتبدأ الإنسانية في جني ثمار الجمع بين العلم والخبرة العملية التطبيقية، خاصة أن البحوث النظرية أصبحت تتحول في أقصر وقت إلى تطبيقات إنتاجية.

وقد حدثت ثورة كمية وكيفية هائلة في القرن العشرين، حيث اتسع نطاق العلم إلى حد هائل ليشمل موضوعات أخرى، وازداد بذلك عدد العلماء بمعدل مذهل.
وهناك هوة شاسعة تتسع بيننا وبين العالم المتقدم، فموقفنا لم يتفق من العلم ومن البحث العلمي والأكثر من ذلك أننا نخاف على مستقبلنا في عالم يحكمه العلم الذي لا نبدي به اهتماما كبيرا.

وبالحديث عن عدد العلماء الذي يتزايد بوثيرة سريعة، يبدو من استقراء حياتهم أن هناك مجموعة من الصفات المشتركة بينهم تشكل كيانا متميزا أطلق عليه فؤاد زكريا “شخصية العالم”، فأول ما يميز العالم هو حضور الروح النقدية وعدم التأثر بالمسلمات الوجودية والشائعة، وأن يكون نزيها ومحايدا حيث يستطيع الوقوف من أعماله موقفا نقديا على سبيل المثال.


خلاصة القول، يعتبر كتاب التفكير العلمي من الكتب المهمة التي تؤسس لعقلية علمية بعيدة عن الخرافة والأسطورة، بسط من خلاله فؤاد زكريا أهم أسس العقلية العلمية وما يعيقها … وهو كتاب، من وجهة نظري، يجب أن يدرس في المدارس والجامعات حتى لا نجد أنفسنا في القرن الحادي والعشرين أمام مشاهد مثل: جموع تتكون من آلاف الناس يقودهم مختل إلى كنز موعود في جبال سرغينة!

“التفكير العلمي” الجزء الثاني