طردني الاحتلال من وطني وقتلني بالمهجر

فدا فلسطين يَمَّا، فدا فلسطين يَمَّا

سحبتني رياح الهجرة إلى مكان بعيد، ذلت بي لقمام الوصول.
ظننت أنني أصبحت شهيدا على ناصية الحدود، ممتلئا بالدماء “كبطيخ أحمر اللون باعه فلسطيني موجود في سوق القدس القدِيم”.
كنت وما زلت أؤمن أن لا شيء يغنيني عن بلادي، ولا عن ثراها ومسراها..

——————————————————————-

في إحدى ليالي يوليو الكئيب، أويت إلى فراشي وفي منتصف الليل لفتت انتباهي لوحة قَديمة معلقة على جدار غرفتي، كان الضوء خافتا بعض الشيء، قد يكون هذا السبب الذي من أجله شدتني تلك اللوحة القَديمة وكانت في قمة البشاعة.
كانت هذه اللوحة على شكل حيوان مفترس (الصهيوني) يحمل بيديه سكينا وعلى صدره جعبة ودخل إلى بيت لا يوجد فيه إلا طفل في السابعة من عمره.

حينها قام بطعنه في عنقه، ذاك الحيوان القذر، يتغلغل في عينيه غضب ووحشية الاحتلال، كانت نظرته همجية جدا وكان المشهد مريعا، أحسست بجدران غرفتي ترتعش من الخوف وكأنها صواريخ تتفرقع داخل جمجمتي.
تذكرت حينها عذاب الحدود التي مررنا نحوها عندما طردنا من بلادنا البهية.

دققت باللوحه جيدا وشعرت بأنني أعرف هذا الوجه تماما، وأنه تربطني به علاقة قوية، تخلد في خاطري بذكرى يجب ألا تمحى، تذكرته تماما، هو ذاك الحيوان نفسه الذي قتل أخي في تمام الساعة الرابعة فجرا يوم كنت في ربيعي العاشر (ذكرى يجب ألا تمحى لأن يوم الثأر آت لا محالة).

خلال هاته الدقائق وهذا وسط هذا الظلام الذي أحاط مخيلتي وغرفتي وشتت عقلي لكي يذكرني باليوم الذي ما زلت على قيد الحياة لأجله.

——————————————————————-

في حزيران من عام 1996، شن الاحتلال هجوما شرسا، حينها خاضت مقاومتنا اشتباكا عنيفا والتفوا حول مقبرة الشهداء في مدينتنا الصغرى (المخيم)، كانت أنذالك البنادق عتيقة جدا ويحملها رجال مدينتنا الأشداء، وكانت الرصاصات تمر أمام أعيننا كأساطيل دموية، وأصوات القذائف القريبة التي تذلنا وتقول بصوتها بأن “هذا يومكم، تقدموا وسطروا تاريخ قضيتكم بآخر الدماء التي بقيت في أجسادكم”.

بقينا على نافذة البيت نراقب الأخبار بصمت، وكأن بأمي تقول لي “بأننا أصبحنا الآن في ساحة الموت، لا نعرف ماذا يحدث، حينها علمنا أن معارك الابطال لا يسقطها شيء، لا عدو ولا سائر متجول باسمه المستعار البغيظ”.
هاجمونا هجوما عنيفا يومها، حينها عرفنا نحن الصغار من أصوات الرصاص والقذائف أن هناك أسلحة جديدة وثقيلة العيار دخلت في المعركة، حينها سقطت قذيفة بجانب بيتن فهدمته وأحرقت أشجارنا وقتل أطفالنا؛ وفي تلك اللحظة سمعنا أصوات قنابل يدوية فلسطينية الصنع، فكرت في نفسي من يملك هذه القَنابل غير أبي في هذه القرية ؟
وأتاني الجواب سريعا؛ هذه قنابل أبي الأسير الذي خبأها هنا، في غرفتي هذه، اهتزت الجدران للكلمة “الأسير“، لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة، قلت حينها “لا بأس، الفخر لأبي ثم لنا ثم لشعبه المقدام”.

——————————————————————-

اليهود يتقدمون خطوة وراء خطوة لكي يدخلوا المخيم، كان هناك صندوق مليء بالأسرار للفدائيين، قالت لي أمي “تعال إلى هنا واذهب الي حديقة مدينتنا الصغيرة، أنت صغير السن ويمكنك اختراقها، اذهب واحفر حفرة عميقة لا أحد يستطيع الوصول إليها، وضع هذا الصندوق فيها، وإياك أن تفتحه، أعطني وعدا”.
“حاضر يا أمي، هذا وعد وعهد مني أن لا أفتحه أبدا”.

وأنا ذاهب إلى الحديقة كنت خائفا ولكن ليس على نفسي، كنت خائفا على الصندوق الذي أحمله بين روحي وقلبي، إنه أمانة وسر.
وصلت إلى الحديقة، حفرت حفرة ووضعت الصندوق، أغلقتها بإحكام وعدت إلي أمي.

قبل اقتحام اليهود بيتنا بخمس دقائق قلت لها: “اشتمي رائحتي لآخر مرة، لا أعلم ماذا سيحصل لي بعد ذلك الاقتحام”.
دخلوا إلى بيتنا بكل غضب، قالوا بصوتٍ عال: “رأينا ذاك الشيء الذي خبأته في الحديقة القريبة من الجامع، قل ماذا أخفيت هناك؟”
“لن أقول لكم شيئا، وأنا لم أخبئ شيئا، تظلمونني مثلما ظلمتم أخي وقتلتموه، وأسرتم أبي وعذبتموه”.
أطلقو رصاصة نحو صدري، والثانية تعجيزية على قَدمي، وقبل الرصاصة الأخيرة قلت: “أنا ذاهب، لكن جدران مدينتي وجدران غرفتي الوطنية وثقافة شرطان الموسيقى للفنانين الكبار، ولغسان كنفاني وجيفارا باقية كتاريخ يمسح عروقِ احتلالكم”، وأتت الرصاصة في وسط رأسي فطرحت شهيدا.

هنا صدحت الأصوات في البيت مستنكرة “لم قتلتموه؟ لماذا؟”؛ جميعهم كانوا ما بين صريخ وعويل، إلا أمي، تلك المرأة الحديدية الصلبة، زوجة الأسير أم الشهيد، مسحت على جبيني وسقطت دمعة منها، ثم قالت بملء صوتها: “فدا فلسطين يما، فدا فلسطين يما”
وشيعوني في جنازة مهيبة حضر فيها جميع أبناء الشعب الفلسطيني، وكلهم يهتف “بالروح بالدم نفديك ي فلسطين”
ولم أعلم بعدها كيف هو شعور أمي

طردني الاحتلال من وطني وقتلني بالمهجر