fbpx

تنميـة الحَجر .. وإهمـال البشر

محاولة بسيطة للإجابة عن سؤال التقدُّم وإشكالية التخلّف

لا شك أن سرّ تقدم الشعوب على مر التاريخ ارتبط بتقدم عقولها، ولا شك أيضا أن اهتمامها بالعلم والعلوم والفكر والأدب كان سرا وراء المضي قدما في سلم نجاحها وتطورها. ولعل التاريخ شاهد على تطور حضارات مضت إلى أبعد الحدود لا بشيء سوى بالعلم والعلوم.

في هذا السياق، نجد أن أكبر خطإ وقع فيه العرب هو التعريف السطحي الذي أعطوه للتقدم والتطور؛ فعند زيارتهم إلى أوروبا ظنوا أن التقدم ماهو إلا بعض البنيان المرصوص، وأنهم إن أنجزوا بناءً مثل ما بناه الأوروبيون سيتقدمون ويتطورون. وفعلا، أتوا إلى بلدانهم وبنوْا ما بنوه لكنهم لم ولن يتطوروا، لأنهم  لسبب بسيط اهتموا بتنمية الحجر وأهملوا البشر، على عكس أوروبا التي اهتمت بتنمية البشر الذي سيبني الحجر! 

أوروبا اهتمّتْ ببناء الإنسان الأوروبي وأقصد هنا العقل الأوروبي بالتحديد، الذي سيبني الحضارة الأوروبية، حيث استثمرت بالإنسان حق الإستثمار، لأنه عندما نبني الإنسان يسهل علينا بناء الحضارة. فهاته الأخيرة تبنيها الشعوب والشعوب عبارة عن مجتمعات، والمجتمعات تتكون من مؤسسات وأصغرها مؤسسة الأسرة والمؤسسة أيّاً كان نشاطها فهي مكونة من أفراد، إن صَلحوا صلحَ المجتمع وبنيت الحضارة، وإن فسدوا فسَد المجتمع وهُدِمت الحضارة.

لكن في بلداننا العربية نجد مثلا أنَّ المستشفيات والمدارس والجامعات والإدارات موجودة على أرض الواقع فعلا، لكن هل تؤدي وظائفها على أكمل وجه؟ بطبيعة الحال لا… لأنه وبكل بساطة لم نهتم ببناء الأطباء والممرضين والأساتذة والمعلمين وَ وَ وَ… إلخ، وهنا بالتحديد سنرجع لنقطة الصفر إن لم نقل تحت الصفر.

فلا فرق بين عقل الياباني وعقل الأمريكي وعقل العربي وعقل الإفريقي، العقل هو نفسه أينما توجهت، يعمل بنفس الوظائف ويشتغل بنفس الطريقة عند الجميع، لكن الفرق في كيفية استخدام هذا العقل وكيفية بناء الإنسان. فالصين مثلا بنت أكبر سور بالتاريخ “سور الصين العظيم” لحماية البلاد من الغزوات الخارجية، لكنها تعرضت لغزوات عدة دون أن يدمر السور أو أن تتسلقه جحافل العدو، كانوا بكل بساطة يعطون رشاوي للحراس فيدخلون بكل سهولة للبلاد.

تقرؤون أيـضاً علـى مدونة زوايــا

الاقتصاد المغربي .. سكيزوفرينيا الأرقام والواقع!

وسائل التواصل الاجتماعي والآليات الجديدة للاحتجاج بالمغرب

صراع الشمال والجنوب .. جَدلية الانفصال والاتصال

في المقابل، نجد دولة سنغافورة التي كانت عبارة عن مستعمرة بريطانية فقيرة مليئة بالمستنقعات والبعوض إلى أن أصبح “لي كوان يو” أول رئيس منتخب ديموقراطيا ووجد نفسه رئيسا لدولة لا نفط ولا ذهب ولا ثروات طبيعية فيها، أضف إلى ذلك أن الاتحاد الماليزي رفض إنضمام سنغافورة إليه، وهنا تبدأ المعجزة؛ أول شيء بدأ به السيد “لي موان يو” هو التعليم فجعل راتب المدرس أكبر من راتب الوزير لكي يبدأ خطته لبناء المجتمع السنغافوري، لأن الأستاذ هو صانع الأجيال والاستثمار فيه استثمار في بناء شباب المستقبل.

فعلًا، بدأت ملامح الدولة تتكون شيئا فشيئا وبدأت أسُسها تتقوى، حتى أضحت سنغافورة -حالياً- بفضل عمل السيد لي كوان يو من أقوى إقتصاديات العالم بل ودخْلُها القومي يساوي دخل ماليزيا التي رفضت الانضمام إليها سابقا على الرغم من أن ماليزيا تكبرها 450 ضعفا، وأضحى وجواز سفرها يتربع على عرش جوازات العالم متفوقا على الجواز الألماني.. مِن لا شيء صنع لي كوان يو كل شيء، بخلطة سحرية ليست بسرية، ألا وهي بناء الإنسان.

أريد أن أختم تدوينتي بتساؤل عميق رغم أن العادة جرت أن يكون التساؤل بالبداية لا النهاية لكي يتم الإجابة عليه، ولكن تساؤلي هذا هو بداية حلم أحلم به كل يوم بل وكل لحظة، حلمٌ أكاد أجزم على أن الكثير من شبابنا العربي يتقاسمه معي:   هل سنشهد بناء الإنسان العربي يوما ما؟

   ربّما .. نتمنّى ذلك صادقيــن…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله