fbpx

أرجوك، لا تخبرني أن “إسرائيل” ليست عدواً !

بدايةً، دعُونا نتوقفُ برهةً لنجهش بالبكاءِ سِراً، ونستشيط غضباً علانيةً، على واقع مُرّ ومريرٍ تحوّل بقدرة قادرٍ، من عوالم الصراع العربي الإسرائيلي إلى أكوان “التحالف العربي الإسرائيلي” (ويا لبؤس التسمية!)، عبر ضرب “القومية العربية” والقيم المحلية عرض الحائط دون الاكتراث للقضية الفلسطينية، باعتبارها بؤرة توتر لا زالت عالقة في رقاب الأمة العربية جمعاء.
نحن نستغرب لدرجة يؤلمنا معها الاستغراب، ويجعلنا نحسُ حقيقةً بغربة قهرية تستبدّ بنا من أعلانا وأسفلنا. نُسائل النفس العربية، قبل أن نستنطقها اتكاءً على كونها ذاتاً إنسانية بالدرجة الأولى، نقول لها: أيا ترى، قضيةُ فلسطين ما عادت تعنينا؟ إن مجرد طرح هذا السؤال مُوجع، ولا أجدني أستطيعُ وصف أحاسيسي كلما رأيت بنيامين نتنياهو يتجول بخُيَلاء البلادَ العربيةَ، ثم يركن إلى “تويتر” ليغيظ الشعب الفلسطيني الحنيف، الذي علّق آماله على أمةٍ تتسم بالجبن والذل والهوان والتبعية والاستعباد. وكأنه يُخبر الشعب الفلسطيني مباشرةً: إن الكُل في صفنا، فما عليك إلا الخضوع والركوع، وأن لا تتجاسَر أكثر من اللازم!
إن هذه الخرجات “الافتراضية” لرئيس الوزراء الإسرائيلي، حتماً، قد يدفع الوعي القومي إلى وصفها بـ”التصرفات الصبيانية”، وإن كانت في باطنها قد تدلّ على الحنكة السياسية لنتنياهو، المُتوّجة بالهرولة إلى تسويق السياسة الخارجية الإسرائيلية، التي تمتد إلى جل الدول العربية؛ من مصر وسلطنة عمان إلى الإمارات والسعودية مروراً ببلدان أُخرى لربّما يتم الإعلان عنها مستقبلاً. إنه الجري وراء تَطوِيعِ و”تضبيع” دعاة التطبيع، الذين ما فتئوا يَكيلون المديح والثناء للكيان الصهيوني، ويرونه ورقة رابحة لا غنى عنها، للتصدي للخطر الداهم والقادم كموجة خرافية، ولعله يتمثل في القوة الضاربة التي تتربعُ على عرشها جمهورية إيران الفارسية. كما يحاولون، تَوسّلاً بـ”إسرائيل”، بناءَ جسورِ صداقة صلبة ومتينة، مع بلاد “العم سام”، التي تتحكم في دواليبها الحركة الصهيونية العالمية واللوبيات اليهودية. وقد صدق من قال: ليس ثمة أخلاقٌ في السياسة!
صراحةً، نحن لا نكادُ نستوعب إلى أي حد يقتضي السعي إلى الماديات رَكلَ القيم الإنسانية السامية المحلية، من قبيل: التضحية والتفاني ونكران الذات. قد يدفع قائل بكلام مفاده أن “إسرائيل” قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية بالمنطقة، وغاية في الأهمية هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في تدفق الرساميل الأجنبية الضخمة والصفقات الاستراتيجية الطنانة، إلى الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وعليه، فالبلدان العربية مطالبة بـ”التطبيع” مع الكيان الصهيوني، الذي نراه في نظرنا، ظالماً ومحتلاً، دون أدنى ذرة من الرحمة البشرية، يَتهجمُ على سيادة دولة، ويَدُوسُ على الأعراف الدولية. يَغتصبُ أرضاً ويفتضُّ بكارةَ شعبٍ له تاريخ عريق، وقدسية رمزية عظيمة في نفوسنا جميعاً، ولا أستثني أحداً، ولا أيّ عربي، وحتى ذلك الذي يترنح بين مؤيدٍ تارةً وموبخٍ ومعارضٍ تارةً أخرى. حتى أولائك الكتبة الجهلة والصِّحافيين الانتهازيين يفقهون جيداً ما نَودُّ إبلاغه.
للحاكم العربي أقول: أيها الأبله! أوَلَسْتَ تدري أن وقوفك في صف عدوك معناه تحالفك ضد صديقك الذي من طينتك؟ هل يمكنك أن تخبرني مِن أين ستستمد فلسطين قوتها المحتضرة، وشموخها الذي ما بقي منه إلا القليل، إن أنت ذهبت وارتميت في أحضان “إسرائيل”؟ أكُنتَ تجهل أن ميلشيات “الهاغانا” قتلت آلاف الفلسطينين، ولازال الجيشُ الإسرائيلي مستمراً في خطف أرواح الأطفال والشيوخ والنساء يومياً؟ لِمَ ذلك؟ هل فقط لأنهم يدافعون عن أبسط حقوقهم في الحرية والكرامة الإنسانية والعيش الكريم في أرضهم، التي لم تعد أرضهم منذ صعود نجم النكسة؟ أتودّ أن تكون جباناً مثل الصهاينة؟ نعم، إنّ الجبن ليس له وجودٌ في ثقافتنا! إن الشعب الفلسطيني أعزل ولا زال يكافح.. أتفهمني! أَعزل ! فرجاءً لا تتخلى عنه!
إن الصلح والسلام لا يمكن أن يتم دون محاكمة ومعاقبة “إسرائيل” على جرائمها مكتملةِ الأركان، المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني منذ 1948، مع الاعتذار له قبل الانسحاب من أرضه. قد نعلم أن أقوالي لا تعدو كونها رؤيا حنانة، ولكن هناك جذوة كرامة لا زالت تضيء الأمل، وقد تنبئُ بعهد وافر الشموخ والبهاء، فنحن لا نستطيع أن نتخبط أكثر في “زمن الذّلُقْراطية”.. آه! يا لفداحة ووجع ما أقول .. أعتذر منكم فأنا تحمسّتُ قليلاً !
ختاماً، لا يسعُنا إلّا أن نتأسّف على التلاشي والمَحْو العربييْن، ونَستنكرَ ونَستهجنَ السماء العربية التي غدت ملبّدة بالأحزان، قبل أن نُعرّج بالقول إن كتابة هذه السطور ليس مسعاه أن نزيد من حدة العداوة أو نُؤجج لهيبَ الحرب مع “إسرائيل”؛ لأن الأمر سيكون بمثابة تقديم إخواننا الفلسطينيين كقُربان، إلا أننا نريد أن نؤكد أن هذا المقال، يحاولُ بكل ما أوتي من حروفٍ وكلمات أن يقول لأيّ حاكم عربي: “أرجوك، لا تخبرني أن إسرائيل ليست عدواً” !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله