fbpx

الدكتور أحمد الطريسي أعراب وسؤال آلية التقسيم

انطلاقا من كتابه ” الرؤية والفن في الشعر العربي الحديث بالمغرب ” والذي قَدَّمَه كأطروحة لنيل شهادة الدكتوراه؛ يقترح الدكتور أعراب تقسيما جديدا للمدارس الشعرية بالمغرب على خلاف ما عهدناه من قبل، وذلك على ضوء منهجية جديدة في تناول الموضوعات الشعرية والعناصر المكونة للقصيدة المغربية الحديثة. 

يعمد كثير من النقاد – متأثرين في ذلك بالمنهج التاريخي – إلى تقسيم عصور الأدب العربي حسب المراحل السياسية والتاريخية التي مرت منها الرقعة الجغرافية التي ظهر فيها وانتشر ذلك الجنس الأدبي المراد تأريخه أو دراسته، إذ نجد في هذا الصدد تقسيم الدكتور شوقي ضيف المشهور : ” العصر الجاهلي، صدر الإسلام، الأموي، العباسي الأول، العباسي الثاني …إلخ ” .

إن عملية الجرد والتصنيف المستنبطة من العلوم الحقة والمعاجم اللغوية أفرزت لنا تقسيما جديدا يخضع للترتيب حسب المدارس الشعرية : ” المدرسة الإحيائية، الرومانسية، مدرسة الديوان ، إلخ .. ”  كما نجد تقسيمات كثيرة أخرى في هذا الصدد. 

ينطلق الدكتور أعراب من سؤال جوهري وأساسي في أطروحته الأكاديمية سيخلص به إلى آلية تصنيفية جديدة، تحتكم في إطارها العام إلى سؤال واحد مُؤَداه : ما العنصر الأساسي الذي يجعل من الشعر شعرا ؟ ؛ ومن هنا ستبدأ رحلته مع فكرة تقسيمية جديدة للشعر المغربي الحديث تستند إلى المقومات ” الرؤيوية ” التي تجعل من نص ما يرقى إلى أن يكون ” شعرا ” .

يعمد الأستاذ أعراب إلى مسألة ” الصورة ” في تقسيم الشعر العربي، إذ يصدر في ذلك عن خلفية بنيوية – شكلانية تستنبط أسسها الكبرى من ” لسانيات دوسوسير” التي من أُسُسِها أنَّ : الدال ” صورة ” سمعية والمدلول ” صورة ” ذهنية، والعلاقة بينهما اعتباطية. 

لا يخفى على الجميع، أن الشعر في أصله مكون من تخييل وحسن محاكاة، وهذان العنصران هما ما يتوسل بهما الدكتور أعراب حتى يستطيع تقسيم الحركات الشعرية المغربية؛ إذ لن يعتمد لا على  مدارس ولا اتجاهات وعصور، بل على النتيجة التي سيخلص إليها بعد إخضاع تلك القصائد للدراسة والتفحص، ومن هنا اتضح له أن الشعر المغربي الحديث ظهرت فيه ثلاث صور أساسية :

أ – الصورة الوثيقة : وهي ” وثيقة ” فعلا، بالمعنى الحرفي لها، ارتبطت بالمناسبات الدينية والوطنية .. ، تُفْرَض الأوزان فيها على القصائد لا العكس …

ب – الصورة النموذج : يدخل في هذا الإطار كل القصائد التي احتكمت إلى ” نموذج ” مستمد من التراث الشعري العربي القديم كقصيدة ” البردة ” التي استلهمها جماعة من الشعراء في المشرق والمغرب ونسجوا على منوالها ، ولامية كعب بن زهير بن أبي سلمى المسماة ب ” البردة ” كذلك .

ج – الصورة ” الرؤيا ” : وهي قصائد رؤيوية – كسرت عمود الشعر العربي – فعلا ، ووجدت في نظام السطر الواحد ضالتها الأولى، وفي مضمونها تستند إلى الرمز بالأساس ، إلا أن مجمل القصائد في المغرب الحديث لم ترق إلى درجة ” الأسطورة ” والتي هي أعلى درجات الإبداع الشعري .

وهنا أختلف اختلافا بسيطا مع دكتورنا الأستاذ أعراب في قضية المصطلح والمفهوم ، فيما يخص الصورة الثالثة : ” الرؤيا ” ، إذ أنها هنا ترتبط أساسا بالحلم والنوم ، في حين أننا لو جعلناها ” رؤى ” لصار الأمر يفضي فعليا إلى الرؤيوية التي تحيل على بعد النظر و ” استشراف المستقبل ” كما يعرفها الشاعر علي أحمد سعيد ( أدونيس ) .

لا بد لنا في الأخير أن نقر بأهمية التصنيف الجديد الذي قدمه الأستاذ أعراب من حيث كونه يسد كل منافذ ارتباط الأدب بالعلوم الخارجية عنه كالتاريخ والسياسة، ويعزز في مقابل ذلك ” دراسة النص في ذاته ومن أجل ذاته ” كما يقول دوسوسير و ” لا شيء خارج النص ” كما عند رولان بارط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله