fbpx

النضال حمَّالُ أوجُه!

زمنٌ تتعدد فيه المفاهيم والمقاربات، ويَسْتشكِل على المتتبع الإلمام بخباياها وإن كان مِمّن يتتبّع المستجدات أولاً بأول، فإننا نلحظ تفاوتاً في المواقف والقرارات الصادرة تفاوتا غريباً؛ يدعونا للتسائل عن ماهية أسباب بروز تيارات متخاذلة ومتطاحنة لا تتقاطع إلا عند الحديث عن محاربة الفساد والمفسدين، أي فسادٍ؟ ومن هم المفسدون؟
هو تفاوتٌ في مواقف الواحد فينا والآخر، وتفاوتٌ ما بين مؤسسة حزبية أو نقابية وأخرى، حيث تتباين المواقف وإنْ كان المحدِّد الأساس لهاته المواقف هو محدد واحد لا غير، يطلق عليه في عالم السياسة ودواليبها والعمل النقابي والجمعوي؛ “النضال”..

 

 


النضال في أصله تعبيرٌ عن حِسّ وإدراك وفكر معين مناهض للاستبداد والقهر والتبعية والإذعان والذّوْد عن المسحوقين وعن المغلوبين على أمرهم، باعتبار النضال صراطاً يقتفيه من يمتلك مواقف واضحة وشجاعة، من أجل حياة فردية وجماعية كريمتيْن وحُرَّتين، حياة تتمتع باستقلاليتها على مستوى التعبير عن مواقفها ووجهات نظرها، وكذا الدفاع عن ما قد يعتقده المناضل صوابا، مؤمناً بضرورة العمل على تكريسه وتمهيد الطريق إلى اعتماده من قبيل مفاهيم الحرية والاستقلالية والديمقراطية، في مجتمعٍ بات الخنوع والخضوع لأمر الناهي الآمِر فيه، أمرًا مُسَلّما به.

النضال سبيل يُلَقَّن فيه المُناضل مبادئ الحوار والإنصات والتشبع بالمبادئ التي تخدم الصالح العام والمجتمع بكل أطيافه، وتمتيع الفرد بحقوقه، وتمكينه من الأدوات التي تجعل منه فاعلًا مساهما وشريكا في تدبير أمور مجتمعه من خلال قنوات واضحة المعالم تتأسس على التشاركية وتحمل المسؤولية.
 

النضال صراط يتعلم فيه المُمارِسُ لفعل النضال التفاعلَ مع التطورات ومستجدات المحيط والساحة السياسية، والقرارات التي تم إقرارها؛ بحِسّ نقدي وخلفية تغييرية طموحة يستند في ذلك على مرجعية فكرية، سياسية أو أخلاقية.وبذلك يصبح الفعل النضالي وظيفة ذاتية تلقائية لا تحتاج إلى مناسبة ما أو حدوث مستجدّ ما، فهو سلوك يومي متواصل لا يتأثر أصله بتغيير المواقع التي يتبوّؤها المناضل وتدرّجه التنظيمي، ولا يُنتقَص مع الترقي في أدراجها –المواقع أقصد – بل على العكس يصبح أكثر رغبة وطلبا، كلما احتل المناضل موقعا يمكنه من المساهمة في التأثير على القرار.

ما خُضْت في تفاصيل هذا الموضوع إلا تفاعلاً مع واقع مفهوم النضال في بلادنا من جهة ومعاينة وملاحظة ما يحدث ميدانيا على أرض الواقع كممارسة يومية لعدد لا بأس به ممن يتلبّسون لباس النضال والتقدمية وحقوق الإنسان والتضحية، وما شابه ذلك من مصطلحات فضفاضة أصبحت تعج بها الساحة السياسية والنقابية وحتى الجمعوية وهي منهم براء.إن النضال في حاضرنا، صار إلى حد ما، نُخبوياً وأحيانا عند البعض علامة مؤشرة على الفوضى والعبث ومضيعة للوقت، ومَدْعاة للحرج عند آخرين، وطريقا للاسترزاق والتسول والتموقع، خدمةً للزعيم وولي النعمة عند ثلة لا يستهان بها من القطيع والإمَّعة، وقد يعتبر خطرا وخطاً أحمرَ عند العديدين تحت وطأة الإذعان والقمع والترهيب والتخويف الذي رافق سنوات خلت.
أمسى النضال، أحيانا، غطاء للتستر على المصالح والمفاسد لدى فئة من المفسدين والانتهازيين وفضائح المستفيدين من الواقع الراهن، إذ لا ينبع النضال عند هؤلاء من قناعة فكرية معينة أو مرجعية واضحة ومبادئ حقيقية لضرورة إصلاح الوضع وتغييره والدفع بعجلة التقدم إلى الأمام، بل هناك من يطالب ويناضل فقط ليحل محلهم وليستفيد بدوره من الغنائم المتاحة من مراكزهم والتمتع بنفس امتيازاتهم؛ وهو ما عَطَّل حركية الهيئات السياسية والقطاعات الشبيبية والنقابية وشوهها وزرع فيها ثقافة الوصولية والانتهازية وزجَّ ببعض الكائنات في الانحراف والفساد والتزوير بشتى الأساليب وتناست بأنها انكشفت وتعرت بل وأوصلت نفسها إلى وضع كاريكاتيري حيث تجاوزها صوت الحقيقة وأفقدها هيبتها ورمى بها إلى مزبلة التاريخ. هذا الوضع ليس سوى انعكاس لهشاشة البنية الفكرية نَجم عنه ضعف النمو والتطور والإبداع المجتمعي والحياتي وبالتالي ساهم في التشرذم والتمزق، لتظل أسماء المناضلات والمناضلين الحقيقيين محسوبة على رؤوس الأصابع؛ إذْ كلما ذُكر تنظيم سياسي أو نقابي أو جمعوي أو حقوقي عبر التراب الوطني إلا وتم تحديد أسماء المناضلين الأوفياء الملتزمين، نضالا توجِّهُه عدالة القضية وشرعيتها ووضوحها.
 
من المحسوبين على الفعل النضالي في واقعنا، مندسُّون ونفعيون وَ وُصوليّون وانتهازيون وحتى بعض الخونة المُرْتَدُون لعباءة النضال في مناسبات محدودة في الزمان والمكان، لينطفئ نورهم بمجرد انتهاء المناسبة وأخذ الصور التذكارية.. ولهؤلاء نقول: إن النضال نمط فكري وحركة دائمة مستمرة ومتواصلة تزيد ولا تنقص، تتخذ أشكالا متعددة بحسب الظروف والأسباب، لا تستكين لا تغيب ولا تتوقف لأي سبب من الأسباب لمن اتخذ النضال سبيلا. ولعل النضال الذي يظل راسخا ويُكتَب له الاستمرار وحسن التأثير لا بد أن يتأسّس على قواعد صلبة، محتكِمًا لثقافة جيل لجيل ومناضلين لا يهابون ولا يخافون في قول الحقيقة لومة لائم.

 
ولأجل هذا، فرُواد النضال عمِلوا على خلق مؤسسات تضمن لنضالهم التطور والاستمرار والاتساع وهم الذين اهتدوا في النهاية إلى تأسيس مدارس سياسية ونقابية تقدمية جماهيرية وجمعيات مدنية فاعلة تعتمد الشفافية في تدبير أمورها وتمنح روادها متسعا للتعبير عن مواقفهم من الممارسات التي قد تمارس في التنظيم الذي ينتمون إليه عينُه، فهم بذلك يوجهون ويقومون مسار تنظيمهم ويجعلون منه مرتعا للممارسة الحرة والمستقلة بعيدا عن التدخلات الفوقية كما قد يحدث في علاقة مؤسسة حزبية بقطاعها الشبابي.

إننا في أمس الحاجة إلى إصلاحات عميقة تعيد الطريق إلى تجسيد وإقرار دولة الحق والقانون واحترام حقوق الإنسان وصيانة حقوق الأقليات وتوسيع هامش الحريات وفك الحصار عن الجامعات وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية ورفع التضييق على النقابات الحقيقية إن وُجِدت والجمعيات وعلى المناضلين، بعيدا عن المنطق الإقصائي السياسوي الانتخابي والاستبداد، ووضع حد للفساد والمفسدين والمستفدين من الريع، وخوض معركة تكريس العمل الحزبي والجمعوي المسؤول من أجل تحرير المجتمع من قيود مخلفات حقبة كنا نحسب عهدنا بها قد انقضى.

 

في الختام، النضال يظل غيرَ ذا قيمة بدون مناضلين بمواصفات وشيم معينة منها الوفاء والصدق والتضحية والاستعداد لتقديم الثمن المناسب مهما كلف ذلك والتبصر في خوض المعارك النضالية وعدم اللجوء إلى الممارسات المتأسسة على منطق العنف والقمع والتضييق والكوْلسة، وعدم الخضوع للإغراءات وشراء الذمم بمزايا واهية تجرِّد المناضل من قيمه والعمل على فضح المندسين واللاهثين للتربع في المواقع دون كلل ودون عطاء حقيقي بل لأغراض ذاتية مكشوفة؛ والحرص على الفعل المشترك واليقظة والفطنة في التعبير النضالي والاستمرار فيه.

من هنا، تتأكد مسؤوليات مثل هذه المؤسسات لتخريج مناضلين بهذه المواصفات؛ مناضلين ذوي مصداقية تلتف حولهم القواعد لا أشباهَ مناضلين ينفرون ويبعدون القواعد، ولا أحد يتنكر لمن قدَّموا خدمات لا تقدر بثمن بل التقدير كل التقدير للشهداء وإلى المناضلات والمناضلين الشرفاء بهذا البلد الذي ساهم بمستقبل خيرة أبنائه في مسيرة النضال، منهم من أضحى كهلا واستمر في العطاء جانيا على حياته الشخصية، ومنهم من عانق ممرات السجون خلف القضبان من أجل منشور أو تغريدة وما بدّلوا تبديلا.أمَّا وَقد أصبح النضال مَطِيّة من أجل مصالح معينة وغايات مخالِفة لما تلفظه أفواه بعض المحسوبين على الفعل النضالي، فإن الانسحاب من مثل هكذا نضالٍ مُتّصِفٍ بالكاريكاتورية وأساسه بهرجة خاوية على عروشها، هو نضال بحد ذاته.

النضال حمَّالُ أوجُه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله