fbpx

حقوق الإنسان بالمغرب .. الشرط السياسي

تاريخ طويل، وصراع أطول

ترتبط مسألة حقوق الإنسان بالمغرب بالتأثير المشترك بين رسم السياسات، وتفاعلات القوى المشكلة للمجتمع المدني من جهة والمجتمع السياسي من جهة أخرى، حيث ترجع أولى إرهاصات المطالبة بحقوق الإنسان في المغرب من قبل المجتمع المدني إلى مشروع دستور 1908 الذي نشرته مجلة لسان المغرب، والذي جسد أول مطالبة منظمة بهذه الحقوق مرورا بعدة مبادرات شهدها المغرب إبان الاستعمار شكلت كتلة تاريخية للمطالب الحقوقية من قبل الفاعل المدني، غير أن مرحلة الاستقلال ستعرف تغييرا في موازين القوى سيلعب فيها السياسي الدور الأكبر على مستوى المشهد الحقوقي، وهذا ما نجد تجلياته في العهد الملكي الصادر سنة 1958 وظهير الحريات العامة الصادر في نفس السنة، والقانون الأساسي للمملكة المغربية لسنة 1961، وصولا إلى اللحظة الدستورية الأولى لسنة 1962، والتي وإن كانت تحمل في طياتها بعض المقتضيات الدالة على حقوق الإنسان، إلا أنها ظلت مرتبطة في معظمها بالحضارة الإسلامية وعكست بشكل أو بآخر الطابع التقليداني للسلطة. ظلت مسألة حقوق الإنسان في التعديلين الدستوريين لسنة 1970 و1972 خافتة في المقتضيات الدستورية ولم ترتقي لتطلعات الفاعل المدني آنذاك، على خلاف دستوري سنة 1992 و1996 الذين كرسا البعد الحقوقي كما هو متعارف عليه عالميا، عبر الانخراط في المعاهدات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وإدراجها في خانة السياسات العمومية الوطنية.
عرف المشهد الحقوقي بالمغرب غداة الاستقلال هامشا واسعا من الحرية وذلك راجع لعدة أمور يمكن اختزالها في حدث الاستقلال نفسه الذي رسم في أذهان الفاعلين تصور مرحلة جديدة تطبعها الليبرالية، وثانيا ظهير الحريات العامة الذي سيكرس هذا التصور لدى الفاعل المدني ثم طبيعة الممارسة الواقعية لهذا الأخير التي كانت توصف بالقوية خاصة في مجال الصحافة والإعلام، حيث كانت تمارس الدور الرقابي على الحكومة جعلت منها بحق سلطة رابعة، غير أن هذا التصور الليبرالي سرعان ما سيتراجع بسبب التعديلات التي سيتم إدخالها على النص القانوني والصراع المحتدم بين الفاعلين في الحياة السياسية والذي سيرخي بظلاله على الممارسة الحقوقية، إذ أن الهيمنة القوية التي مارستها السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية أدت إلى إرساء تعديلات طفيفة الحجم لكن بالغة الأثر على الأحزاب والجمعيات والصحافة، الأمر الذي سيكلل بتراجع منسوب الليبرالية التي كانت تطبع ظهير الحريات العامة وسيكون له أثر مباشر على الواقع الحقوقي ببلدنا. ونتيجة للصراع القائم بين مختلف الفاعلين السياسيين وأساسا عبد الله إبراهيم وولي العهد آنذاك سيشهد المغرب تحولا نوعيا في موضوع الحقوق والحريات بدأت بتغيرات في المقتضيات القانونية أدرجت على إثرها عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية جعلت البعض يصف ظهير الحريات العامة بالقانون الجنائي في تجسيد واضح للمفارقة القائمة بين عنوان الحريات العامة والطابع الجنائي للنصوص القانونية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل عرف الواقع الحزبي تضييقا واسعا بلغ حد حل الحزب الشيوعي المغربي من قبل القضاء، وقد علّل هذا الأخير حكمه بنص من الخطاب الملكي يفيد أن الفكر المادي الجدلي يتعارض مع الإسلام؛ إن اعتبار الخطاب حجة يُستند إليها في حلّ حزبٍ ما من القضاء أمر مستغرب للغاية. هذا الأمر سيؤدي لمزيد من التشنج في العلاقة بين رئيس الحكومة والمؤسسة الملكية ستنتهي بإقالة حكومة عبد الله إبراهيم في 26 ماي 1960، ليتزعم الحكومة الملك ومن ينوب عنه وهو ولي العهد، ويدخل هذا الأخير تعديلات من جديد على ظهير الحريات العامة بعد يومين فقط من تسلمه زمام الأمور في السلطة التنفيذية، الأمر الذي يجعلنا نقول بأن حقوق الإنسان في المغرب مرتبطة بشكل وطيد بالشرط السياسي المؤطر لها قانونيا وعمليا.

إن استيعاب تطور حقوق الإنسان في المغرب لا يمكن وفق إعمال المقاربة القانونية لوحدها، إذ لابد من إكمالها بمقاربة علم السياسة الذي يمكّن الباحث من فهم وتحليل طبيعة الفعل السياسي وآثاره على الواقع ذلك أن القاعدة القانونية هي وليدة الشرط السياسي الذي نَتَجت بفعله، ففي سنة 1960 ومع أول انتخابات جماعية بالمغرب، ستتلقى الليبرالية ضربة موجعة على مستويين، الأول قانوني يتمثل في إدخال تعديلات ذات طابع جنائي على ظهير الحريات العامة، والثاني على مستوى الواقع الذي سيعرف تفعيل مقتضيات الفصل 77 من ظهير الحريات العامة ومحاكمة رئيس تحرير جريدة التحرير عبد الرحمان اليوسفي، الشيء الذي سيؤدي إلى موجة غضب عارمة واستهجان كبير من قبل كافة الفاعلين في الحياة السياسية. سيعرف القانون بعد ذلك عدة محاولات لإصلاحه وإعادته لمضامينه الأصلية المتشبعة بالليبرالية، لكن سرعان ما ستنهار كل هذه المحاولات والجهود على إثر إعلان حالة الاستثناء والتي ستمتد لمدة طويلة، وعلى الرغم من الفعاليات التي كانت تنظم على المستوى الدولي والتي كانت تمارس نوعا من التأثير ولو بشكل طفيف في الجانب الحقوقي كان من أهمها المؤتمر الأول لحقوق الإنسان المنعقد بطهران سنة 1968، فإن الوضع سيستمر على ما هو عليه حتى مع التعديل الدستوري في بداية سبعينيات القرن الماضي والذي وصف بأنه مجرد دسترة لحالة الاستثناء التي كان يشهدها البلد.

في سنة 1973 وبالضبط في 10 أبريل سيعرف قانون الحريات العامة تغييرا تم من خلاله تعديل بعض المواد وتعويضها بأخرى تتضمن عقوبات سالبة للحرية فصرنا أمام نص قانوني تابع للمنظومة القانونية الجنائية وهذا راجع بالأساس لأحداث 3 مارس 1973 في كل من خنيفرة وكلميمة ومولاي بوعزة، التي انعكست بدورها على الممارسة الحقوقية بالمغرب وساهمت بشكل سلبي في تقييد الحريات والحقوق بالمغرب لدرجة لم يسمح فيها بأي ممارسة أو مظاهرة سوى تلك المليونية التضامنية مع العراق إبان حرب الخليج الثانية.
ظلت حقوق الإنسان في المغرب مقيدة ومفرغة من محتواها إلى حدود سنة 1989 التي ستعرف تحولا نوعيا سيسمح بفتح هامش من الحرية سينعكس على النص القانوني والواقعي المؤسسي، ومرد ذلك إلى ثلاثة عوامل أساسية، الأول هو سقوط جدار برلين والثاني حرب الخليج والثالث تهشم الاتحاد السوفياتي وانهياره، هذه العوامل التي أدت إلى بداية مرحلة جديدة تُطوى فيها صفحة الحرب الباردة وتعلن عن ميلاد النظام العالمي الجديد المقدس للحرية، الأمر الذي حدا بالنظام السياسي لتبني إصلاحات فعلية ذات بعد حقوقي ورسم هامش من الديمقراطية في المشهد السياسي المغربي وهو ما بدأت تلوح في الأفق ملامحه مع بداية تسعينيات القرن الماضي التي ستعرف تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كما جسدت الوثيقة الدستورية لسنة 1992 هذا التحول على مستوى الحقوق والحريات في مضامينها التي ستعترف بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، إلى جانب الانخراط في اتفاقية سيداو التي سيكون لها تداعيات مهمة في مجال الحقوق والحريات، كل هذه الشروط ساهمت في إرساء تغيير عميق في الحياة السياسية المغربية، سيُتوَّج باتفاق تاريخي بين المؤسسة الملكية وأحزاب الكتلة ستشكل على إثره حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله