fbpx

فـي مفهوم المشاركة السياسية

تعدّ المشاركة السياسية من العناصر الأساسية التي تخلق التفافاً حول أي نسق سياسي، على تعدد أساليبها، واختلاف مستوياتها، ومهما تناقضت المقاربات السياسية والاجتماعية والفلسفية، فإن المشاركة أوسع من أن تؤطَّرَ بزمان ومكان؛ ذلك أنها منفلتةٌ عن كل هيكل وظرف سياسي وتاريخي لصعوبة تحديد أنماطها، وهي أعمقُ مِن أن تُختزل في صيغة أيديولوجية.
لهذا كانت سماتها الأساسية الخصوصية والشمولية، وكلا المَعْنيَيْن يقبلان مبدأ القاعدة والاستثناء، إضافة إلى عدد آخر من المعاني الثانوية والأساسية، إلا أن النقطة الجوهرية التي ينبغي توجيه العناية إليها هي الدلالات المحيطة بمفهوم المشاركة.
وفي هذا السياق، نورد مجموعة من التعريفات التي أعطيت للمشاركة السياسية:
يُعرّفها كل من “صامويل هانتغتون” Samuel HUNTINGTON و”جون نلسون” Jean NELSON على أنها ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون ويهدف إلى التأثير على عملية صنع القرار السياسي(1). بينما يعتبرها “ماك كلوسكي” M. CLOSKY أنها تشير إلى الأنشطة الإدارية التي عن طريقها يساهم أعضاء المجتمع في اختيار الحكام، وفي تكوين السياسية العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما يعرّفُها “برناس” و”كايس” (BARNESS et KASS) بكونها أنشطة إدارية يقوم بها المواطنون كأفراد، وتهدف إلى التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر، في الاختيارات العمومية على مختلف أصعدة ومستويات النظام السياسي(2).
أما “وينر” WEINER ، فيعتبرها كل عمل إداري ناجح أو فاشل منظم أو غير منظم، مرحلي أو مستمر، يفترض اللجوء إلى وسائل شرعية أو غير شرعية، بهدف التأثير على اختيارات سياسية، أو إدارة الشؤون العامة، أو اختيارات الحكام وعلى كل المستويات الحكومية، محلية أو وطنية.
وعليه، فإن مفهوم المشاركة السياسية في مدلولها الإيجابي ذلك الانخراط الفاعل المنتج في الحياة السياسية في مجتمع ما، وبكل ما يرتبط بها من انتماء منظّم أو تعاطفي، ومن نشاط مستمر وممارسة مسؤولة للحق الانتخابي، ونهج سلوك سياسي واع، وامتلاك ثقافة سياسية موجهة للتفكير والممارسة مع اختلاف مستويات هذه المشاركة بين الأفراد والشرائح الاجتماعية(3).
من هذا المنطلق، فإن المشاركة السياسية تتخذ عدة أشكال يمكن تجميعها في صنفيْن:
صنف منظم، ويتم من خلال قنوات المؤسسة الرسمية ويتخذ عدة صور أهمها:
  • التصويت في الانتخابات التشريعية والمحلية.
  • المشاركة في الحملات الانتخابية بالدعاية والتمويل.
  • الترشيح للمناصب السياسية.
  • الانضمام إلى الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والجمعيات الفكرية وجماعات المصالح.
  • الحضور للندوات والمؤتمرات الجماهيرية والاجتماعية العامة.(4)
صنف غير منظم، ويضم الاحتجاج الاجتماعي والعنف السياسي، إذ غالبا ما يكون الاحتجاج الجماعي الخطوة التمهيدية التي تسبق اللجوء للعنف السياسي إذا ما تأكد للمواطنين أن النظام لا يتجاوب مع مطالبهم، ويتضمن الاحتجاج الجماعي أشكالا متعددة من الممارسات الجماعية السليمة التي ترمي إلى إعلان عدم الرضا والسخط إزاء النظام السياسي أو إزاء بعض السياسات والقرارات التي اتخذها أو مُزمَع اتخاذها(5).
ومن ثمة، يظهر الارتباط الوثيق بين مفهومي المشاركة السياسية والديمقراطية من خلال اعتبار:
  1. المشاركة السياسية هي التجسيد العملي لفكرة الديمقراطية وتطبيقاتها المتنوعة، التي تدور كلها حول محور أساسي هو حكم الشعب نفسه بنفسه، من خلال إشراك جميع المواطنين بفرص وأدوار متساوية في كل جوانب العملية السياسية ومراحلها.
  2. الديمقراطية هي الإطار الفكري والمؤسسي والإجرائي الضامن لتحقيق المشاركة السياسية وتفعيلها وقدرتها على تأدية مهامها وتحقيق أهدافها.
  3. المشاركة السياسية والديمقراطية تقومان على الأسُس ذاتها، المتمثلة في الاعتراف بالحريات والحقوق المدنية والسياسية المتساوية لأفراد المجتمع المدني؛ وفي مقدمتها حقوقُهم في:
  • المشاركة في اختيار نظام الحكم، في مجتمعهم وتحديد قيَمه، واحتياجاته وأهدافه.
  • المشاركة في اختيار هياكل النظام السياسي ومؤسساته وأشخاصه وآليات عمله.
  • المشاركة في صنع السياسات العامة، وتنظيم قواعد آليات مراجعتها وتغييرها سلمياً.

 

 
بالنظر إلى عناصر التطابق بين المشاركة السياسية والديمقراطية والأسس المشتركة بينهما، يمكن القول إن المشاركة السياسية هي جوهر الديمقراطية وروحها المتجسدة في إعطاء مشاركة المواطن في تدبير الشأن العام، عن طريق العملية الانتخابية.
هكذا، تكون المشاركة السياسية في شتى صورها وآلياتها الضامنة لحق المجتمع المدني ودوره في صنع حياته واتخاذ قراراته، غاية ووسيلة في آن واحد، لأنها الشرط اللازم للإيفاء بمتطلبات تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية، والمجتمع المدني، ومقتضيات شرعيتها وتوازنها من جهة، وهي من جهة أخرى الوسيلة المهمة لتحديد أهداف هذه العلاقة وحل مشكلاتها، وفقا لإدارة المجتمع المدني، وتعبيرا عن خصائصه واحتياجاته، وهي من جهة ثالثة شرط تنمية الدولة وتطورها الإيجابي.
إضافة إلى ذلك، يبقى تحقيق المشاركة السياسية الشعبية رهيناً بوجود الإنسان الواعي، والمشاركة الإدارية الحرة لأفراد المجتمع ومؤسساته، وأدوارهم الإيجابية، بحيث أن التنمية تتعلق أولا وأخيرا بالإنسان، لأنها تستهدفه وتستخدمه وتوجه نشاطاتها ونتائجها لتؤثر في حياته حاضراً ومستقبلا، مما يستدعي مشاركة الإنسان في اختيارها وتوفير متطلباتها، وتعيين وسائلها وأساليبها وأهدافها(6).

من هنا، يبدو التكامل والترابط بين المشاركة السياسية التي تجسد الديمقراطية التمثيلية، والديمقراطية التشاركية التي تعد التنشئة السياسية والثقافة السياسية والتنمية السياسية بالإضافة إلى المشاركة السياسية بمثابة الأرضية الفلسفية التأسيسية لها، والتي بدونها لا يمكن أن تنجح حتى الديمقراطية التمثيلية، فبالأحرى الديمقراطية التشاركية التي تستدعي اهتمام المجتمع بكامل فئاته بتدبير شؤونهم المحلية.

_______________________________

الهوامش:

1- مولاي حميد إدريسي، المشاركة السياسية في بلدان المغرب العربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس ، أكدال الرباط ، السنة الجامعية 1996-1995، ص. 35
2- إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، مبادئه وقضاياه الأساسية، نشر وتوزيع مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، الرباط، 1997، ص 78
3- محسن مصطفى، المشاركة السياسية آفاق التحول الديمقراطي في المغرب المعاصر، نحو قراءة سوسيولوجية نقدية للأبعاد والدلالات، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 17، 2008، ص 21.
4- نجاة البرعي المحامي، إصلاح للنظام الانتخابي، أوراق مؤتمر إصلاح النظام الانتخابي في مصر، 24-25، 1997، ص. 37.
5- نجاة البرعي، المرجع نفسه، ص. 38.
6- علي عباس مراد، المجتمع المدني والديمقراطية، المؤسسة الجامعية
للدراسات والنشر، بيروت، 2009، ص. 18

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله