fbpx

مفهوم الهامشية بين اتجاهين 1

اتجاه علم الاجتماع الكلاسيكي

من المفاهيم التي تحتمل العديد من التأويلات والتفسيرات هو مفهوم الهامشية. يفسره البعض بانعدام الدور والفاعلية، في حين يربطه الآخرون بأولئك الذين لا ينعمون بحياة طبيعية كالآخرين (الفقراء، المرضى، ذوي الاحتياجات الخاصة، النساء، الضعفاء…). كما يرد في الخطابات الرسمية أن برامج التنمية في المغرب مثلا تبتغي محاربة الإقصاء والتهميش وتسعى إلى إعطاء مزيد من الفرص للفئات المحرومة كي تتمكن من كسر طوق التهميش والإسهام بفاعلية في عملية التنمية.

لكثرة استعماله وجريانه على الألسن في هذا السياق، غدا المفهوم واضحا وضوحا صارخا وكأنه لا يحتاج إلى تفسير. ولهذا فالتناول العلمي للمفهوم والدراسة الإبستمولوجية له تقتضي منا تنزيله في سياقات تاريخية مختلفة لمعرفة صيرورته التاريخية وتمثلاته.
فقد أدرجه علم الاجتماع الكلاسيكي في باب المسكوت عنه، وكأن المجتمعات التي درسها علماء الاجتماع الكلاسيكيون لم يشهدوا ظاهرة التهميش قط؛ في حين شكل التهميش والمهمشون مجالا خصبا ومغريا للدراسة والتحليل لدى علماء الاجتماع المعاصرين لغناه بالدلالات والمفاهيم المنحدرة عنه.

فقد شكل الهامشيون مكونا أساسيا في المجتمع المعاصر، خصوصا في المجال الحضري على اعتبار أن المدينة تختزل كل تناقضات هذا المجتمع، حيث الكثافة السكانية العالية واحتداد الفوارق الاجتماعية وانعدام فرص الرقي الاجتماعي أمام فئات عريضة، وكل ما يدرج في هذا الباب الذي يشكل أرضية صلبة لبروز حركات إجتماعية تتخذ من الديموقراطية والحرية والمواطنة مفاهيمها وتنادي بحقها في الوجود والتعبيرعن هويتها.
تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الهامشية في نظرنا ليس نسخة طبق الأصل عن الواقع، بل هو رؤية براديغمية طورها علماء الاجتماع إزاء ذلك الواقع. بحيث ينطلق الدارسون من اعتبار الذات المهمشة ذات مقصاة من المركز، ومنه فالعلاقة التي يمكن أن تحصل بين هذه الذات والمهيمن على المركز هي علاقة قطيعة وانفصال وصراع. فالمهيمن يطوّر نسقا قيميا يتحدّد وفقه، ويحدّد مواقع باقي الذوات الاجتماعية الأخرى. وبالتالي فدرجة هامشية المقصى مرتبطة بمدى فلاح المهيمن من إقصائه من النسق بشكل جزئي أو كلي. وجدير بالذكر أيضا أن الهامشي في معادلة الصراع هاته لديه مشاركة كذلك في النسق عينه تتوقف عن الصورة التي يقدمها عن ذاته: فهو إما مستسلم للإقصاء الممارس عليه، وإما ساع لقلب موازين القوى وفرض وجوده في لعبة المهيمن بطريقة لا يغفل فيها هذا الأخير وجوده ووزنه في الصراع.
نظرة علم الاجتماعي الكلاسيكي للهامشية
سبق وأشرنا سلفا أن مفهوم الهامشية والمهمشين ظل في باب المسكوت عنه، لكننا – بالرغم من ذلك – لا يجب أن نستنتج انطلاقا من انعدام تناول الشيء – أي الهامشية – أن المجتمعات التي درسها علماء الاجتماع الكلاسيكيون لم تعرف الهامشية قط.
الحديث عن علم الاجتماع الكلاسيكي يدفعنا إلى الأخذ بكتابات ثلاثة من أكبر منظريه “إيميل دوركهايم” و “ماكس فيبر” و “كارل ماركس” على إعتبار ان كل التصورات السوسيولوجية المعاصرة تتحدر من كتاباتهم و تنظيرهم السوسيولوجي. اشترك الثلاثة – على اختلاف مناهجهم في التعامل مع الظواهر السوسيولوجية – في النظر إلى المجتمع ككل، أي اعتباره كلا يحكمه منطق التوازن أو الحركة. وعليه فالعناصر التي لا تساهم في اشتغاله ودفعه لا تكتسب أي قيمة، يقول الدكتورعمر الزعفوري في مقالة سمّاها “التهميش و المهمشون في المدينة العربية المعاصرة“:

“لإهتمامات النظرية لرواد علم الإجتماع الكلاسيكي تغيب بقوة القوى الهامشية التي لا دور لها، من منظورهم في بناء الكل الإجتماعي ودفع حركته. فلئن اختلفت تسمية تلك القوى المكونة للمجتمع من منظر لآخر فإنها لا تحيل بأي شكل من الأشكال على تلك القوى المهمشة والتي، في اعتقادنا، لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات”
على اختلاف تسميات القوى المكونة للمجتمع من منظر لآخر، فإنها لا تدل على تلك القوى المهمشة كما أشار الدكتور الزعفوري. فكل تحول في التاريخ، لا بد أن تظهر بعض القوى حكم عليها أن تكون هامشية. إنه ما يسمح لنا أن نؤكد على أن هذه الأخيرة جزء لا يتجزأ من المجتمع، وأن وجودها وجود حتمي.
لقد أكد “إيميل دوركهايم” في مؤلفاته على معاني الاندماج والتماسك داخل المجتمع، منشدا ومتغنيا بأسبقية الموضوع على الذات، أي المجتمع على الفرد. هو منطلق يفترض انصهار الضمير الفردي في الضمير الجمعي إلى حد إستحالة التمييز بينهما. لأن القوة التي تشحن ذات الفرد لا تأتيها من الخارج بل تنطلق من ذوات الأفراد المكونة للمجتمع، وعليه، فأن تلك القوة تخترق ذوات الأفراد وتنتظم فيها لتصبح جزءا لا يتجزأ من كينونتها فتربيها وتهذبها.

يحرج إيميل دوركهايم على فكرة إشتغال الجزء لفائدة الكل، ومن ثم، فقد أقصى من تنظيره كل قوة لا دور لها في توازن و ثبات وكذا استمرار ذلك الكل. فلا ضرورة في الحديث في مؤلفاته عن الهامشية والمهمشين.
غير بعيد عن طرح دوركهايم، يبني “مكاس فيبر” توجهه النظري على أساس أن البنى الاجتماعية – الأسرة، الدولة، القبيلة، مؤسسة الجيش و غيرها – هي نتاج تفاعل إرادات فردية داخل نسق ثقافي واحد مشترك تكتسب من خلال إجماعها على مجموعة من القيم والدلالات مبررات وجودها الأنطولوجي وتصبغ عليها طابع العقلانية. ويذهب فيبر إلى اعتبار الفعل الجماعي أساس كل تلك المؤسسات. فعندما يتحدث علم الاجتماع عن الدولة أو مؤسسة الجيش أو العائلة فهو يقصد وبشكل واضح؛ نشاطا إجتماعيا مفترضا أو فعليا ذو طبيعة محددة.

لم يتم التمييز في المنظور الفيبيري بين فعل إجتماعي مركزي وآخر هامشي لأن العلاقات الاجتماعية تقوم ببساطة على مبدأ التنافس وليس الصراع. إنه ما يدفع فيبر للحديث عن الحراك الاجتماعي، كما أشار إلى ذلك الدكتور الزعفوري، الذي بمقتضاه ينتقل الفاعل فيه من حالة إلى أخرى. ويبرر انصراف فيبر عن التفكير في ما إذا كان الفعل الاجتماعي مركزيا أم هامشيا هو قلبه للمعادلة الدوركايمية من الإيمان بأسبقية المجتمع عن الفرد، إلى اعتبار الذات سابقة على الموضوع، وبالتالي الفرد عن المجتمع. وإن اختلف الإثنان فهما يلتقيان في فكرة تفاعل الفرد مع الآخر في المجتمع الواحد، الذي يجعله متماسكا ويشرّع وجود مؤسساته الاجتماعية. مما يفسر ببداهة عدم استحضارهم “للهامشيين” وفاعليتهم في المجتمع. ونحن من جهتنا لا تستبعد حضور الهامشيين في المجتمعات التي درسوها، سكوتهم عنهم لا يعني عدم تواجدهم، بل لأن الهامشية لا تدخل في طائلة إهتماماتهم.
لا يختلف قارئان في مؤلفات كارل ماركس أن أهم ما شغله وشكل بؤرة فلسفته هي فكرة “صراع الطبقات“. هو صراع أزلي بين من يمتلكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكون إلى قوة عملهم. والمحدد لمفهوم “طبقة” في نظر ماركس هو ملكية وسائل الإنتاج، أي التموقع في عملية الإنتاج. إشتراك الأفراد في ملكية وسائل الإنتاج أو قوة العمل هو ما يشكل لهم الوعي بأنهم ينتمون إلى الطبقة نفسها. هذا ما يدفعنا للسؤال: ألا يشكل الفلاحين والفئات العاطلة عن العمل والعقاريين الذين يعيشون على هامش عملية الإنتاج طبقات اجتماعية؟ الفرد لا وجود له – في المنظور الماركسي – خارج هذا الهيكل (الطبقة). فالتاريخ بالنسبة إلى هذا المفكر ليس إلا تاريخ صراع الطبقات: الحر والعبد، الفقير والسيد، البلوريتالي والبورجوازي. ومعنى هذا أن باقي القوى الاجتماعية التي لا يمكن إدراجها في هذه الطبقة أو تلك، لادور لها في صنع التاريخ، هي هامشية ببساطة. غياب هذا الدور، في نظر ماركس، يعود لغياب الوعي لديها بموقعها كطبقة اجتماعية.
و في نفس الإطار، وبالرجوع لآثار المفكر، نجد له حديثا عن الطبقة الوسطى، وهي شريحة اجتماعية يمكنها أن ترجح كفة الصراع لفائدة البورجوازية أو البلوريتاريا تبعا لما تقتضيه مصلحتها كطبقة. لكن عدم تموقعها داخل العملية الإنتاجية، أو”غياب الوعي” بدور كطبقة إجتماعية هو ما يجعل الطبقة الوسطى هامشية. أي أنها تتواجد على هامش العملية الإنتاجية وليس لها دور في توجيه الصراع وصنع التاريخ.

يتبع…

مفهوم الهامشية بين اتجاهين 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله