الأم .. جـنّة الأرض

الأم مدرسةٌ إنْ أعدَدْتها أعددت شعباً طيّب الأعراق 

الأم روض إن تعهَّدَه الحيا بالرَّيّ أورق أيَّما إيراق 

الأم أستاذُ الأساتذة الأولى شغلت مآثرهم مدى الآفاق” 

هذه الأبيات الشعرية لحافظ إبراهيم تشرح المعنى الحقيقي للأمومة والدور الأساسي للأم في تنشئة الأبناء والأجيال. فأول عالم يعيشون في كنفه هو رحمها في أحشائها وبين ثناياها، هناك يسمعون نبضات قلبها وهم لا يزالون نطفة فيشعرون بكل أحوالها ومشاعرها طيلة الأشهر التسعة.. في الحين الذي تكون هي تعاني فيه من الإعياء والغثيان والآلام وتقلبات المزاج، يكونون هم في راحة لا متناهية. وهي أيضاً أول من تلمح مُقلتاهم وأول صدرٍ يحملهم ويتحملهم، لتنسى كل ما ألَمَّ بها خلال هذه المدة بمجرد سماعها لصرخاتهم.
 فكيف لا يكون دور الأم جوهريا، إذن، في التربية إذا ما نظرنا للصِّلة الكبيرة التي تربط بينها وبين أبنائها؟ لا ننكر أبدا فضل الأب ودوره الأساسي لتكوين أسرة متماسكة لكن أوَد تسليط الضوء على الأم -على وجه الخصوص- لما تتكبده من متاعب ومشاق وآلام وتضحيات فقط لأجل أبنائها.
 
الأمومة شيء عظيم جدا يجعلُ من كل امرأة مهما كانت سمات شخصيتها شخصا يتفانى في تربية أبنائه، يخشى عليهم من كل ما قد يُلحق بهم الضرر مهما كان بسيطا، شخصا يحرم نفسه من أشياء عديدة فقط لتحقيق مطالبهم؛ فهي المعنى الحقيقي للتضحيات وللتنازلات وللصبر الكثير. لهذا مجَّد الإسلام الأم ودورها في حياة كل منا، ودعانا إلى بِرّها والإحسان إليها بالقول والفعل اعترافا منا بالكم الهائل من العطاءات التي أغدقت علينا بها  منذ أن كنا أجنة إلى أن أصبحنا شبابا وكهولا فشيوخا. فكيف لا وهي أكثر شخص في هذا الكون يخشى علينا، أكثر من يتحمل غضبنا وتمردنا، من يسهر لمرضنا، يشعر بمعاناتنا ويؤلمه ألمنا فعليا، من ينفطر قلبه لبكائنا، يفرح أضعاف أفراحنا لنجاحاتنا وإنجازاتنا وكل همِّه أن يرانا الأفضل دائما، فيحبنا بدون شروط ولا مقابل ..هي جنة الأرض ونور الكون وأجمل ما في الوجود وأرقى ما يمكن أن يكون. 
فهي تمنحنا الوجود، تحنو علينا، وتعلمنا كيف نخطو أولى خطواتنا، هي السند الذي  نتكئ عليه كلما عصفت بنا رياح الحياة، والمدرسة التي في كنفها تعلمنا أبجديات العيش ولغة الأمل. فيها يتجسد معنى العطاء والتسامح؛  تمنح من جهدها، وقتها، عقلها، قلبها ومن كل كيانها دون أن تشتكي ودون أن تشعرنا أنها تسدي إلينا جميلا؛ تسامحنا على هفواتنا وانفعالاتنا دون أن نعتذر منها حتى.. وتختَصنا في دعواتها وصلواتها كلها متناسية أن تدعي لنفسها لأن ليس هناك قلب أجمل من قلبها..

لعلّك عزيزي القارئ وأنت تقرأ هاته الكلمات تذكرتَ عديدَ الأحداث التي استوقفتك مع والدتك وقد ترغب في  تقديم الشكر لها، لذا أتقدم نيابة عنك بشكر جميع أمهات العالم؛ أنتنّ سندنا ومُلهِماتنا وجَنّتُنا، مَنْ سهَرتُنّ لأجلنا وتعبتُنّ لأجل تعليمنا وتربيتنا، وتحملتن تقلباتنا وإخفاقاتنا وأخطاءَنا، من زرعْتُنّ بدواخلنا الطموح والإرادة وحب الحياة والسعي لأجل تحقيق أهدافنا، أنتن الصَّديقات الوفـيّات! 

مهما قلتُ لنْ أوفيكنّ حقكن، ولن أقدم لكن ولو مثقال ذرة مما تقدِّمْنَه لنا، فقط أودّ أن أُخبركن أننا نحبكن..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *