صـانع السّعـادة

أحياناً نفقد ذاك المَعْلم المتعامد، المُمَنْظم، الموجَّه في لحظةٍ من الزمن. وقد تأتيك الحياة بلحظاتٍ تستوقفك غَصْبًا، فتُصْعق مشدوهاً من هول المشهد!
في كل مرة نسقط فيها، يقطع الكثيرون منا نذوراً فارغة يقنعون بها أنفسهم الحالمة -في تلك الحظة- أنهم لن يقعوا يوما ما في الحفرة نفسِها .. لكننا غالبا ما نعاود السقوط..
فعل السقوط هذا، رغم وقعه المؤلم على نفوسنا إلا أنه يشكل المحرك الرئيسي لسيارة كل منا في كنف هاته الحياة؛ فإما أن يكون المحرك نفّاثا ثاقبا يصحح عطبه وينطلق بسرعة،  أو ذا وتيرة حلزونية لا ينفك يدور في حلقته المفرغة فيحاول جاهدا أن يُشَغِّل بدوره محرك الحياة بلا زيت ..
صحيح أن تلك السيارة ستعاني ألما كبيرا في البداية؛ لكن لا بد لها في النهاية أن تشتغل من جديد مهما كلفها الثمن و مهما تضرَّر ذاك “المحرك”!
فلسفةُ أيّامنا تقتضي الاستمرارية والتدرُّج في التغيير والخطط ومناهج الوصول.. مهما صعبت مِطبّات الدنيا و مهما كثرت سيولها التي تجرفنا بعيدا عن الأهداف، لا تتوقف عن المقاومة ولو اقتضى منك الأمر أن تعزف عكس سمفونية المجتمع.
لا ضير في أن تخطئ يوما، لكن العيب ألّا تتمرّن على معرفة الخطأ قبل الوقوع فيه.. فالإنسان بطبعه خطاء وضعيف مصداقا لقوله تعالى: [ وخُلق الإنسان ضعيفا ].
عزيزي، لا تلم نفسك كثيرا حين الزلة، لكن أرجوك احرص على التحري بعد ذلك.. فليس الذكي مَن يلدغ من الجحر نفسه، مرّتيْـن!
جلد النفس صفة محمودة لكن بلا إفراط أو تفريط ، فلا تلُمْ نفسك على ما ولّى ولا تتهاون فيفرغ شحنك.
بعض الأرواح التواقة لا تحتاج سوى نسيم عبِقٍ ملطّف بروح الحياة، وركن في زاوية منزوية.. لا حديث ولا تبادل نظرات ..
اِعلمْ أن نفسك تحتاج بحقٍّ لبعض الخلو بذاتها ..بنفسها اللوامة وبضميرها المتقد أو ذاك الذي ينعم بسبات الأموات ..لمراجتعها ..لإطالة التباحث حول مصيرها ، تحركاتها و سكناتها ! لربما لتصحيح مسارات خاطئة في دنياك، لقتل روتينك بسُمِّ العمل .. أو فقط للتوقف عن التفكير للحظة وإيقاف الزمن ساعاتٍ، ملؤها ذاك الشرود الذي يعتريك الآن أو أياما غير معلومة في السنة ..أيام، تجتاحك فيها رغبات متضاربة ؛كالفخر و عدم الرضا .. أو حتى تلك الحيرة الغريبة عن مساراتك اللاحقة في كنف الدنيا أو الآخرة أو هما معاً ! فيغدو ذلك وقتك الخاص للشحن أو النحيب في صمت مطلق وحكمة ونضج بالغَيْن.
 
عزيزي القارئ، اِجعلْ نفسك محط اهتمامك وحاول ما أمكن أن تأخذ أوقاتك الكافية لمزاولة كل نشاطاتك “الخاصة”.. وتذكر جيدا.. لا تُفْرِط يوما ما في التضحيات التي تقدمها عوضا عن نفسك متجاوزا حدود الإيثار.. فإذا زادت تضحياتك عن حدها حتما ستنقلب على نفسك بالسلبيات والتفريطات و عدم استغلال كنز الفرص ..
صفوةُ قولي-هذا- أن للخلوة وحديثك مع نفسك أثر بالغ و إيجابي على تطوير شخصيتك وكذا اتخاذ قراراتك المهمة! فلا تهمل نفسك واحرص على تدليلها، وانشر إيجابيتك وفعاليَتك في محيطك كيفما كان!
بادر بالخير ولا تنتظر شكرًا من أحد!
أما الآن فما عليك فعله هو فقط اتباع ما أكتبه لك بالحرف!
استنشقْ قسطاً من الهواء مِلء رئتيك.. و انغمس في بحرك الخاص.. و اغرق إلى أبعد الحدود.
لا عيب في ذلك صديقي ما دمت تستطيع تنفس أوكسيجين همومك وتطرحَ أوكسيد الحياة. .فأنت لا تحتاج لأي سبّاحٍ منقذِ غير نفسكْ!

الحياة فعلا حرفة.. فكن ذاك المحترف الذي يُقَوْلِبُهَا كيفما شاء -كالماء وسط الأجسام- فيصنع من كتلة الحزن ابتسامة مُعدية، ويلقب حينئذ بـ “صانع السعادة”!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *