“القايد صالح” .. الفريقُ الذي لا فريق له!

الحلقةُ الخامسة عشر من مسلسل الحَراك الجزائري انقضتِ الجمعة الماضية (31 مايو 2019) في ظل تغيُّرٍ ملاحَظ في السيناريو؛ تغيُّر ومنعطفٌ في مسار الحراك لم يتنبأ به سوى القلّة من أهل السياسة والاجتماع، حيث خرج الشعب، هذه المرة، ينادي ضد قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح في سابقةٍ لم يشهدها حراك الجزائريين بعد 15 أسبوعاً متوالياً.
 
لقد طالبت الجماهير برأس القايد صالح وصنّفته مع فئة “الخونة”؛ وفي هذا الوصف يمكن رصد عدة قراءات وأسباب ونتائج، فقائد الجيش هو أول شخصية ينادي ضدها الحراك بعد كل من الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة وما يسمى بـ”الباءات الثلاثة”؛ المتمثلين في “بن صالح” رئيس الدولة الحالي، “بدوي” رئيس الحكومة، و”بلعيز” رئيس المجلس الدستوري الذي تمت التضحية به منذ وقت قصير.
 
الشيء البارز هو أن يد الحراك خرجت من قصر المرادية لتنتقل لمقر هيئة الدفاع، من وسط حقل السياسة لتطرق باب ثكنات الجيش وتطالِبَ بشخص قائده الذي أصبح لا يرضي الشعب الذي آمَن بعضُه به واعتبره الحل، ليتبيّن في الأخير أنه جزء من المشكلة. كل هذا كسَرَ “الحذر الشديد” الذي اتصفت به الهبّة الشعبية تجاه المؤسسة العسكرية وحطّمت “الخط الأحمر” الذي حذّر منه البعض الذين جعلوا من قيادة الجيش آلهة جديدة للمعبد الذي أسقط الشعب أصنامَه.
الشيء المسجل، أيضاً، هو إدراك الشعب أو تدراكه لموقفه تُجاه القايد صالح الذي استطاع أن يوهم الناس لبعض الوقت بأنه “المِغوار” الذي سيضمن له مطالبه الكاملة، فسقط قناعه حتى قبل أن يرتديه وتدرك الأقلية التي كانت تؤمن بالرجل أنه مجرد رمز من رموز العصابة التي تحكم البلد لكن بلباس عسكري فقط.
الجميل في كل ذلك، هو الذكاء السياسي الذي تمتعت به الجماهير في مطلبها؛ فالشعار المرفوع مؤخراً (الجيش الشعب خاوَة خاوة .. والقايد صالح مع الخوَنة) يُحسب للحراك الذي استطاع أن يفصل بين الجيش كمؤسسة ذات قاعدة شعبية من جهة وبين قائد الأركان كشخص يمثل امتداداً عسكريا لعصابة مدنية عبثت في البلاد لعِقدين من الزمن ليفوِّت الحراك، هكذا، الفرصة على كل من يريد أن يتهمه بأنه ضد الجيش ومؤسسته العسكرية.
 
مؤشرات الاصطدام بين الشعب والجيش كانت واضحة، كما أن أسبابه كانت جلية أيضاً، بل كانت قضية وقت فقط بسبب السياج الأحمر الذي وضعته فئة من لاعِقي “الرونجاس” وبسبب الحذر والترقب المبالغ فيهما في بدايات الحراك الذي أنتجه التخوف الأولي من انفلات الوضع الأمني، ما جعل الشعب يتحفّظ عن قادة الجيش قبل أن يتحرَّر مع مرور الوقت بعد أن تأكد أن السلمية عنوانُه ومصيره.
تماطُل قائد الأركان، وإصراره على الحل الدستوري دون غيره، ورفضه لرحيل كافة رموز النظام جعله في عين الإعصار كما أن خطاباته عن تقديم ضمانات لانتخابات شفافة دون السعي وراء ذلك بآليات حقيقية وضربه لكافة مبادرات واقتراحات الطبقة السياسية؛ كلها عوامل جعلته يفقد رصيد النقاط القليل الذي كسبه في البداية، وحتى فقدانه لكاريزما القيادة وعنصر الحسم وتكشّف مستواه وخطابه المتناقض، جعلته يفشل فشلا ذريعا في تسيير الأزمة أو تركها لمن يحسن تسييرها، دون نسيان زُمرته وعلاقته الوطيدة بالنظام الحاكم.
سعيُ القايد صالح كذلك لخلط أوراق أولويات الحراك من خلال تحكّم واضح للجيش في جهاز القضاء و إفرازه لعدالة انتقائية يستغلها في تشتيت جناح السلطة المضاد له، جَعَل الجماهير تفهم أنه آنَ الآوان لهذا الشخص أن يرحل، فمن لا يكون جزءاً من الحل سيكون حتما جزءا من المشكلة.
 
في بدايات الحراك، وبالضبط قبل استقالة بوتفليقة، أصدر القايد صالح بعد اجتماع قادة قوات الجيش بيانا “شديد اللهجة” استخدم فيه وصف “العصابة”، فخرجت فئة ليست بقليلة تحتفل في شوارع العاصمة مسبِّحين بحمد البطل المزعوم، ليخرج سعيد سعدي الرئيس السابق لحزب “التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية” مطالبا إياه ليلتها بالرحيل قائلا بأنه سيكون هو العقبة التالية للشعب نحو طريق الديموقراطية وأن دوره سيأتي إنْ هوَ لم يرحَل، في تصريح نقله موقع “TSA” (كل شيءٍ عن الجزائر).
اِتّهمَ الجميع آنذاك سعدي بالخيانة والسباحة عكس التيار مستغلين انتماءَه للتيار العلماني، لتمر الأيام ويعود الشعب للمطلب الذي نادى به الرجل .. فـلِمن تقرأ زابورك يا سعيد ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *