المرأة المنبوذة في المرآة المكسورة

نظرة المجتمع للمرأة

” إن كان للرجل الحق في أن يعيش حياته كما يحب، فلا بد أن يكون للمرأة مثل ذلك أو أكثر”

ليس من السهل أن نتحدث عن المرأة في مجتمع بيئته تمجد الذكر عند الولادة، ولا تقيم مراسم احتفالية مشابهة عند ولادة الأنثى، فإذا نظرنا بعين التاريخ لنرى في هذه المسألة جيدا ونتفحص جذورها، نجد من يقتل الأنثى بكل برودة ويدفنها بطريقة وحشية، كما نجد من يختنها أو يغتصبها أمام الملأ، ولا يكون بوسعنا إلا العجب والتعجب ممن ينبذ المرأة/الأنثى ويدفع بها إلى أشياء أقل ما يمكن القول عنها، أنها وحشية وفي غاية الفظاعة والوقاحة والعبث.

لماذا المرأة على هذه الأرض؟ وما دورها في الحياة؟ وكيف لها أن تعيش في ظل جسدها الأنثوي؟

إن طرح مثل هذه الإشكالات والتساؤلات يعود علينا بالنقمة، لأنها تواجه المرأة وضد المرأة، كما تكرس النظرة التعسة التي يحملها المجتمع اتجاه المرأة، ففي نظر البعض المرأة كائن دون عقل، مخلوق لا يستحق العيش والاحترام، جسد وجد لإشباع رغبة الرجل… وبالجملة والتفصيل ننفي مثل هذه الأشياء ولا نقبلها بتاتا، لأنها تحمل نظرة رمزية خاطئة عن المرأة، ونية سيئة عنها، وخبثا شديدا لها وإثما لا يغتفر، وبئس الأمثلة.

ونحن في عالم المتناقضات، سريع التقلبات وكثير التغيرات، تتخبط في أذهاننا أفكار عدة عن المرأة وقضاياها الجوهرية وصورتها العامة والخاصة، التي ترمز إليها هي والتي ينعتها بها المجتمع ويكرسها، وتتخبط في أذهاننا كذلك مجموعة من الإشكالات والتساؤلات عن دور المرأة في المجتمعات المعاصرة وعن كيفية المحافظة على كيانها الأنثوي بعيدا عن الاستغلال الرمزي والمادي له، فعلى مر العصور واجهت المرأة بصفة عامة مشاكل عدة وضغوطات نفسية وأسرية واجتماعية واقتصادية، تناسيا من المجتمع أنها كانت على دوم ذاك الخيط السميك الذي يربط أي تجمع بشري، فمنها ربة بيت ومزارعة قوية ومنها قائدة الحياة والإنسانة الصابرة ومنها المقاومة المتمردة والكاتبة النيرة، والركيزة الأساسية التي لا يمكن استثناؤها، ويا للأسف.. فهذا كله لم يشفع لها لتكون في منزلة باذخة وتعيش عيشة كريمة، وتنقذ نفسها من الصورة التي تحملها لذاتها والتي يحملها الآخرون اتجاهها، وكذا التحرر من الرمزية التي قيدت بها من حواء إلى الآن، والانفلات من الأسماء التي يخاطبها بها العامة والخاصة والتي تخاطب بها نفسها كذلك.

إن الحديث عن المرأة وعالمها الخاص/المشترك اليوم قد تغير بكثير مما كان عليه، فلا يمكننا النظر إليها كمرآة مكسورة تعكس الواقع وتنفي ما يحصل لها، فبرغم التغير الهائل في الأنظمة العالمية والتحولات والانتقالات المجتمعية، فإن النظرة إلى المرأة لم تتغير بشكل المطلب، على اعتبارها كائنا حيا عاقلا، له الحق كما له واجب، إلا أن الحق لا يمكن التفاوض عنه والواجب مسؤولية لا يمكن تجاوزها.

وبالمناسبة فما تجدر له الإشارة هنا، هو مقارنة بسيطة، بين المرأة البدوية القروية والمرأة المدنية الحضرية العصرية، فقد بات حتميا كشف هذه المبينة، فالمرأة البدوية على غيرها من نساء العالم، تحيى حياة تحت سيرة رجل ويمارس اتجاهها مختلف أنواع وأشكال العبودية، لتصبح مقهورة حتى النخاع ومسلوبة من أية حرية تمكنها من رفع رأسها وتحقيق ذاتها، محكومة بكل العادات والتقاليد، في حين نجد المرأة المدنية يمارس عليها العنف المادي والرمزي سواء في الشارع أو في العمل أو داخل بيتها الأسري، وأمام ملايين المتفرجين لتصبح المرأة المدنية الدمية التي يمسكها مسرح الحياة، ويلعب بها سيد لا يحترم حتى نفسه، لكنها متحررة نوعا ما على خلاف الأولى وتحررها لا يقتصر إلا على حبر قلم وأمور تافهة.

إذا سلمنا أن المرأة البدوية تعاني من العبودية والنبذ والقهر، كما تعانى المرأة المدنية العنف بشتى أشكاله، نكون قد عدنا إلى جوهر المسألة/المشكلة، فنجد البعض يرى المرأة محط إغراء وإثارة، وفي نظر البعض الفخ الجمالي الذي يوقع بالرجال في شبابيك الشهوة، وفي نظر البعض الآلة المجلبة للشر وللدمار ونصف شيطان يجب الابتعاد عنه، والبعض الآخر يقتصرها في آلة ولادة وصورة فاتنة ورائحة جذابة.

والملمح العام في هذا المضمار، يحيلنا إلى أن المرأة تُعامل باحتقار ويتم استغلالها استغلالا بشعا سواء في البدو أو المدن، وذلك طلبا للطاعة وللاذعان التام- وكأن الإنسان سيد على إنسان آخر،- فالمرأة إنسان وكيان، وجدان وحياة، تطلعات وعقل وروح، فكر ولغة، فإن حاولنا تقريب هذا التعريف للمرأة لا نستطيع تقديم تعريف ملموس واقعي لها، لأن المرأة ليست بفكرة واحدة ولا غرض واحد.

ليس من السهل الحديث عن المرأة بمعزل عن الرجل، فالشائع أن ما يربط الرجل بالمرأة عامل الجنس، ووجود المرأة من خلال هذه النظرة الضيقة كوجود الشيء، لكن من جهة أخرى، تجسد هذه العلاقة نوعا من التنافر وتقديم الذات للآخر، جسداً وروحاً، بمعنى آخر: هل يمكن القول أن الرجل يمارس على المرأة سيادة مطلقة، تجعل منها دمية يتفرج عليها؟ وعم إذا كان الرجل دائما هو الغالب؟، وكل هذا يقلل من شأن المرأة والرجل معا.

وقد يعود الفهم المغلوط للعلاقات الاجتماعية/الجنسية التي تربط بين المرأة والرجل إلى الفهم الخاطئ لدور المرأة في المجتمع والتعريف الإيديولوجي لها، والاختلاف الحاصل بين الحاجات والرغبات الجسدية والنفسية والعقلية التي يختلف فيهما (المرأة والرجل).

ومما عرضناه من أفكار، يتطور الحديث عن المرأة حتى يدخلنا غمار الصحافة والإعلام في علاقته بالمرأة، وعن كيف تبدو صورة المرأة في الإعلام؟، فيغلب على الإعلام عموما طابع تقدس جسد المرأة وتسوق به في الخطابات السياسية والسينمائية والاقتصادية…، نظر لما يمثله الجسد الأنثوي للإعلام من إغراء وإثارة، – كما لو أن جسد المرأة في متناول يد الإعلام-، نجد بالتالي أن الإعلام بصفة عامة يحاول دوما إقحام المرأة في دوامة مغلقة، تضعها موضع سخرية أو أسيرة ذاتها وصورتها التقليدية،- فمن كان أسيرا لذاته ولغيره يصعب عليه النظر إلى ما هو عليه أو على الأقل لا يكون بوسعه النظر إلى الخارج أو حتى محاولة الهروب من أسره ولا يتخيل قدرته على الفرار، فطريق الحرية صعب، لكنها بالضرورة تطلب- ونظرا لما يحمله جسد المرأة من رموز إنسانية عفوانية تلقائية، فمن البديهي أن نحترم هذا الجسد الذي تحركه روح إنسانية وتسري فيه مشاعر تستحق الاحترام والتقدير، والارتقاء به إلى أعلى درجات وكذا منحه استقلاليته التامة.

ففي علاقة الإعلام بالمرأة، تكون قضية هذه الأخيرة قضية جسد ومظهر وصورة، فأي صحافي وإعلامي وسينمائي لا يركز على المرأة في روحها وجماليتها وفكرها، بل يعرض أولا بعدها الأنثوي وثانيا مفاتن جسدها، وإن دعت الضرورة سعى إلى تعرية هذا الجسد وتجريده من هويته، لكن ما يرهب في الأمر أن الصورة التي نراها في الشاشة طوال النهار، باتت تتصدر واقعنا الملموس، من حيث الشكل والمضمون وذلك لا يتم إلا عن طريق التقليد، والتقليد يكون هنا، تقليدا في المضمون والشكل والسلوك، فبالتقليد تمحي تاريخها، وبالتالي فصورة امرأة واحدة على الشاشة، تلخص ملايين من الوجوه النسائية.

هكذا لم يمنح الإعلام للمرأة فرصة فرض الوجود بقدر ما ترك لها الطريق الوعر، ممهدا لها مسالك مليئة بالفخاخ: فخ الجسد، فخ المساواة، فخ الابتذال.

وإن سألت عن المساواة التي تطلب بها المرأة، من مساواة اجتماعية وحقوقية… فلا يسعك إلا أن تسدل عليه ستار الإهمال، إننا اليوم إذا ما أردنا تقدير حصيلة ما حُقق للمرأة ( البدوية المنسية/ الريفية المقهورة/ المدنية المنبوذة) من مساواة مزعومة وإنصاف وتكافؤ مشروط، نجد أوهاما مرسومة وسرابا من الشعارات وقصائد فارغة وروايات متنكرة وفلسفة غير مقبولة، تجعل من المرأة الإثم الدنيوي والخطأ الأكبر، والشيء الذي يجب آن ينصهر مع القالب المرسوم له ويسير وفق معايير سلوكية تم تحديدها سلفا، وإننا اليوم وبما أوتينا من قوة لا نقبل بتاتا مثل هذه الأشياء، التي لا يقبلها عقلنا المنطقي ولا ديننا الفطري، فالمرأة يمكن لها أن تقدم الخير الكثير لذاتها وللمجتمع وللعالم.

كثيرا ما تمر على الدارس بعض الصور المسيئة عن المرأة، مما يستفزه، ويلحق به أضرارا بليغة، ونفس الشيء حدث لنا، فليس المراد حصر ما يقال عن المرأة وعلى المرأة، بل هي لمحة سريعة تفيد أن المرأة لم تحلق بعد في سمائها كما يجب وكما تحب، بكل رقة وعذوبة وتحرر مطلق، لكن مثل هذه المواضيع الحساسة تحتاج اهتماما كثيرا، برغم أنها مغامرة خاسرة، ولأن الأمل ما زال طويلا، فالمرأة ترى في العمل السبيل الوحيد لفرض وجودها، وتحقيق ذاتها وما تصبو إليه، ومن الآن فصاعدا فالمرأة المعاصرة سواء أ كانت بدوية أم مدنية فهي مطلوبة بل ملزمة بأن تطلب بالإنصاف وبالعدالة الاجتماعية، كي تكتب تاريخها كما تحب وتفهم ذاتها، بما تملك من فطنة عقلية وأسلوب متميز في شتى مجالات الحياة.

إن المرء ليستغرب، كيف لمجتمع تشكل فيه المرأة النصف الأكبر، أن يستعبدها ويكون لها الرقيب العتيد؟، فليس منطقيا الدفاع عن المرأة شكليا ومواجهتها ضمنيا، وهل يفهم من هذا السؤال أن المجتمع المعاصر يجرد المرأة من أي حق وأي حرية وأي احترام؟، إذا يبقى الخيار في التحرر السبيل الوحيد لنجاة المرأة من الهيمنة وكسب رهان الكشف؛ كشف الذات والتحرر من الرموز الفاتنة، فبالوعي الثقافي العام يتحقق كل الشيء، ولدعم قضية المرأة وجب خلق نخب نسائية جديدة، وإشراك المرأة في العمل السياسي والاقتصادي والديني والفكري… بالرغم من المواجهة الشرسة لها من لدن الفكر الجامد، الذي نراه تارة بصورة القالب الجديد، والصوت المهيمن تارة أخرى.

ونحن إذا غلبنا النقد في تناول الرؤية التي تحمله المرأة عن ذاتها والتي ينعتها بها المجتمع، ولو كان الأمر في غاية العسر، فليس ذلك من قبيل العبث أو الشتم كما ظن أو يظن البعض، بل إنها محاولة بسيطة لإبداء الرأي فيما أثارته فينا، بعض الكتابات الأدبية والفكرية، والأفلام سينمائية وإعلام مستقل وغير مستقل، ونحن بذلك لا ندعي أننا قد أصبنا في كل ما أوردناه في هذه السطور، فمن عادتنا أن نقول: يناضل الكاتب حتى وإن كان هو الطرف المنكسر والمحاصر في عنق زجاجة. فلتحقيق الهدف المنشود من اللازم تغيير نظرة المرأة إلى ذاتها ونظرة الآخرين إليها ونظرتها هي لبنات جنسها، وحصول المرأة على حقوقها رهين بهذه الإشكالية. وعلى نحو أفضل تظل المرأة الكائن الاجتماعي الذي يؤثر ويتأثر، ويتفاعل وينفعل مع جل أجناس مجتمعه، وما أعتقده خلاصة أنه لا يمكن الوصول إلى ما تصبو إليه المرأة إلا عندما تعتبر المرأة النقد الذاتي، الضرورة الملازمة لها، للخروج من الإطار النمطي، وكذا نصرة قضية المرأة وبالخاصة البدوية هو في حد ذاته نصرة قضية الإنسان المظلوم، فالمجتمع الذي تعيش فيه المرأة البدوية، مجتمع يعاني من أزمة ضمير وتتفشى فيه الموروثات التاريخية الخاطئة عن المرأة، ما يؤكد ذلك كون الفتاة البدوية طول مكوثها ببيت أبيها يملؤها الإحساس بالذنب، لأنها خرجت إلى الحياة وهي أنثى، حتى أننا وجدناها تود لو ولدت ذكرا، هذا ما يحز في النفس ويضع وضع الأنثى البدوية أو المرأة البدوية موضع تأمل، وما ليس مخفيا؛ فالذكورة عامة تعني في المجتمعات التقليدية القوة والهيمنة، ومن وليد معايشتي اليومية في المدينة، توحي لي بأن المرأة المدنية يحتال عليها الواقع ويدفعها إلى أشياء لا تفي بغرضها البيولوجي بل يتعدى ذلك إلى تكريس صورة واحدة عنها وترسيخها في المخيل الشعبي.

ختاما لما سبق، وجب الحديث على المسكوت عنه، ولا للإلغائية، بما يعنيه الاثنان من تغير وتمحيص وتأمل في قضايا جوهرية لا يمكن استثناؤها أبدا.

المرأة المنبوذة في المرآة المكسورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *