الشيخ المجدّد، وناشرَا الإسلام في أدغال إفريقيا #11

الشيخ المجدّد

يقول الأديب العربي الكبير عباس محمود العقاد في حق ما فعله بطلُنا الأول لهذا اليوم ما يلي: “ولمْ تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثاً في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه”، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمون أن عِلّة الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترم الدين لا في الدين نفسه. وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمتعة باجتناب البدع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه “.
ففي القرن الثاني عشر الهجري، كان حال الأمة الإسلامية لا يبشّر بالخير، كان العالم الإسلامي صورة لا يحسد عليها، فقد سادت البدع وتزعرعت عقيدة التوحيد وانتشر الحج إلى قبور الأولياء..
وفي ظل هذا الجو القاتم، ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعا الناس الي ترك البدع والعودة إلى الإسلام الصحيح، وأوضح لهم أن المسلم لا يكفي أن يقول عن نفسه موحدا لله من دون أن يُعكس ذلك على أفعاله وأقواله.
وقد سافر محمد بن عبد الوهاب من مكان إلى مكان يدعو الناس الي التوحيد، ويشرح لهم العقيدة بالقرآن والفقه والحديث وكل ما أوتي من علم.
وقد استطاع جمع أتباعه من الشباب الذين أعطاهم الضوء الأخضر للجهاد لنشر أصول التوحيد .. ومن بين القبور التي هدمها محمد بن عبد الوهاب، قبر صقر اليمامة بطلنا الأخير في تدوينة الأمس، فقد كان أهل اليمامة قد بنوا لزيد بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قبراً يتعبدون فيه ويطوفون حوله.
 
إن قربك من الله لا يحتاج لا وسيطا ولا أي شيء، علاقتك مع ربك ثنائية لا ثالث لها، هذا ما حاول محمد بن عبد الوهاب نشره بين الناس.

مؤسس “جماعة المرابطين”

إنها نفس قصة بطولة بطلنا السابق، فقط هناك اختلاف في الزمان والمكان، فإذا كان ظهور محمد بن عبد الوهاب في صحراء “نجد” في جزيرة العرب في القرن الثاني عشر الهجري، فإن ظهور عبد الله بن ياسين كان في صحراء المغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري.
فقد ضاع الإسلام بين الأمازيغ في الصحراء الكبرى (موريتانيا حاليا)، وانتشر التبرك الناس بالقبور ودعا الناس الأولياء الصالحين من دون الله وشربوا الخمر، وانتشرت الزنا، وامتنعوا عن أكل لحم الخنزير لكنهم أكلوا لحمة الخنزيرة! 
وكان لقبيلة “جدالة” شيخ بفطرة طيبة أراد أن يصلح حال قبيلته، فذهب إلى القيروان و طلب من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يصحبه الي قبيلته لكي يدعوهم الي الرجوع إلى التوحيد، وبالفعل سافر الشيخ عبدالله بن ياسين مع الشيخ يحي بن إبراهيم الجدالي، غير أن الناس هنالك طلبت ان يتركوهم وشأنهم طرقد قاموا بحرق بيت الشيخ ياسين و هددوا الشيخ الجدالي، وهكذا أصبح بطلنا بين خيارين العودة او الاستمرار في الدعوة.
فتوجه بطلنا جنوبا الي غابة من غابات السنغال، فأقام خيمة رباط فيها فكانت خيمة الرباط الأولى، ثم بعث برسالة الي اهل جدالة يخبرهم بأن من أراد تعلم دين الإسلام يمكنه اللحاق به في رباطه بأرض السنغال.
فخرج خمسة شبان من جدالة واتجهوا عنده، وعند اقتناعهم بنا علمهم، عادوا و احضروا عائلاتهم، وبني كل واحد خيمته ورابط فيها، بعد أن روى لهم الشيخ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “رباط في يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه”.
ومع الوقت، أصبح عدد المرابطين أثنى عشر ألفا، لينشر شيخنا البطل بين القبائل الامازيغية الي ان استشهد في إحدى طلعاته..
 
آمن بأنه صاحب رسالة، ومن مُرابطٍ لوحده إلى عشرات الآلاف من أتباعه في حياته ومماته.. هكذا تكون النتيجة عندما نكون في معركة في سبيل الله، و عندما تكون العزيمة أقوى من أي شيء.

ناشرُ الإسلام في أدغال إفريقيا

“ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله” –   سورة فصلت، الآية 33.
 
إن الدعوة إلى الله عَمَل منقطع النظير، حسناتُه مستمرة في رصيد الداعية حتى بعد مماته.
وبطلنا الأخير لهذا اليوم، مثالٌ حيّ على روعة الدعوة، إنه الشيخ أبوبكر بن عمر اللّنتوني زعيم المرابطين بعد أخيه يحيى بن عمر اللّنتوني الذي كان خليفة الشيخ عبد الله بن ياسين.
أبو بكر بن عمر اللّنتوني خرج من السنغال بآلاف مرابط قاصداً أدغال إفريقيا، وبعد 15 عامًا من الدعوة، رجع ومعه نصف مليون من الجنود الأفارقة الأشدّاء.
ولقد سار ابن عمه على النهج نفسه، حيث استطاع ضمّ كل من موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس إلى “دولة المرابطين”.فهذه الأخيرة التي أسسها الشيخ عبد الله بن ياسين لوحده في غابة نائية بالسينغال، أصبحت تمتد الآن من تونس شرقا الى غينيا بيساو غربًا، ومن الجزائر شمالاً إلى الغابون جنوباً.
 
يُـتبـع..
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.