أحلام فتاة يتيمة

الحياة عبارة عن مدرسة نتعلم فيها كل شيء كنا نجهله، بدءاً بالقراءة والكتابة إلى أمور قد تبدو للبعض أنها تافهة، لكنها ذات قيمة عند البعض الآخر، خصوصًا إذا كان هذا الآخر فتاة يتيمة، إنها كلمة أب! ماذا تعني هذه الكلمة لفتاة يتيمة مثلي؟ وما هي أحلام فتاة يتيمة؟
عند طفولتي كنت أسمع الكثير من الرفاق والأقارب يتفوهون بكلمة أبي؛ أبي اشترى لي، أبي قال لي، أبي…
في البداية كنت لا أعرف معناها ولا يهمني أن أعرف، لأنه لم يكن لها وجود في قاموسي، لكن مع مرور الأيام أصبحَتْ هذه الكلمة تعذبني كثيرا، في بعض الأحيان عندما تتحدث صديقاتي فتذكر إحداهن أنَّ أباها فعل لها كذا أو أهداها كذا..
حينها أشعر وكأنني غريبة وسطهن، وكأن شيئا ينقصني، فغالبا ما أحمل نفسي بعيدة عنهن كي لا يزداد شعوري بالنقص أكثر.. كثيرة هي المواقف المتشابهة التي لا تزال محفورة في ذاكرتي.
ما زلت أتذكر ذاك اليوم من طفولتي عندما أحسست لأول مرة بذلك الشعور الغريب؛ كان يومَ عيد، فبينما أمرح مع أصدقائي، إذ سمعت ابنة خال لي تقول وهي تتباهى أمامي: انظري لقد اشترى لي أبي كل ما كنت أريده من الألعاب..
أحسست حينها بشيء غريب وكأن شيئا ما صفعني، لقد أيقظتني تلك الكلمة من سباتي، لقد شعرت بغصة في حلقي.. 
حملت دميتي والألعاب التي كانت أمي قد اشترتها لي وذهبت إليها مسرعة، سألتها لماذا لا يوجد لي أب يشتري لي كل ما أحتاجه من الألعاب؟ لماذا هو غير موجود معنا؟ هل هو لا يحبني؟ كنت أرى الدموع تُغْرق عينيها وهي تحاول جاهدة ألا تسقطها على خديها… 
قالت لي إن أبي على سفر طويل، وإنه يحبني كثيرا وإنه يحتاج لدعائي..
رغم أن هذه الكلمات كانت ليست كافية لتجيب عن تساؤلاتِ الطفلة داخلي، إلا أنني كنت أستيقظ كل صباح منتظرة عودته؛ وكلما نظرت إلى صوره، كنت أدعو الله أن يحميه من كل شر، وأن يعيده لي في أقرب وقت.
لكن رغم ذلك كله، كانت دوما تراودني تلك التساؤلات الكثيرة من جديد: لماذا هو ليس معي؟ لماذا سافر دون أن يخبرني بذلك؟ لماذا لم يعد بعد؟ لماذا ولماذا ..
حتى أدركت حقيقة سفره؛ إنه سفر بدون عودة، لكن كيف لفتاة مثلي خائرة القوة أن تستوعب أمرا مثل هذا، كيف لي أن أصدق بأن سفر أبي لا عودة منه، كيف لي أن أصدق أنه قد توفي؟ كيف ستكون حياتي من دونه؟ كيف لفتاة أن تستقيم حياتها بعدما ضاع منها عمودها الفقري؟
في أحد الأيام عندما ذهبتُ وأمي إلى قبره لأول مرة، لا أعرف كيف أجهشت بالبكاء وسقطت فوق قبره، حينها أدركت كل شيء، أدركت لماذا كانت أمي تبكي عندما كنت أسألها عن أبي، أدركت نظرة الناس المليئة بالشفقة، أدركت سبب تسميتي باليتيمة رغم أني لي اسما كباقي الفتيات، رغم أني حينها كنت لا أزال طفلة تلهو وتحب الحياة إلا أنني دعوت الله من قلبي أن يستبدلني بأبي؛ أن يبعث فيه روحي كي يحيى هو من جديد ويميتني أنا! 
إنه إحساس مهما أردتُ أن أصفه لن أستطيع ذلك، تعجز الكلمات عن وصفه، لأن ليس كل ما يعاش يوصف، إنه إحساس قاتل!
لقد مر على سفر أبي وفقدان سندي وروحي الثانية ستة عشر عاما، لكنني ما زلت أبكي على فقدانه، خصوصا عندما أرى فتاة تلعب مع أبيها أو تناديه “بابا”، أو أرى أباً يوصل ابنه للمدرسة، يستيقظ ذلك الإحساس من جديد، فأترك العنان لدموعي لِتُعبّر على ما لم تستطع الكلمات أن تعبر عنه. بالفعل إنه إحساس لم ولن يفهمه إلا من ذاق معاناة اليتم.
لكن مع مرور الزمان صار أكبر حلم لي هو أن ألتقي بأبي، أن أرتمي في حضنه وأشم رائحته، أن أتأمل ملامحه ولو لمرة واحدة، تمنيت ولو لمرة واحدة أن أسمع صوته وهو ينهال بالرضا علي، أو أسمعه وهو يقول لي “ابنتي” ولو لمرة واحدة، لكن ليس كل ما نحلم به يتحقق أو ما نتمناه نحصل عليه.
ختاما، لا يسعني إلا القول أن ما حصل معي يبقى ابتلاءً من الله، وأنا مقتنعة بأن الله حرمني منه في الدنيا كي يبتليني، لكنه لن يحرمني منه في الآخرة. حينها سيكون أجمل لقاء في أحسن مكان، لكن قبل لقائنا فأنا سأحقق كل أحلامك التي كنت ستحلم بها لو أنك كنت معي، فأحلامك صارت أحلامي؛ رحيلك علمني الصبر.. أعدك يا أبي أن أكون كيفما تريد وكما تحب.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *