في دواليب التواصل السياسي

يبدو من الوهلة الأولى أن الحاجة إلى التواصل مع الناخبين من طرف الزعماء السياسيين تقتصر فقط على الزمن الانتخابي، غيْرَ أن إمكانية ذلك تبقى نسبية، فالإستئناس بالتجارب الرائدة في مجال التواصل السياسي لا تستبعد ذلك. 
النموذج الأمريكي حقّق قصَبَ السّبق في هذا المجال؛ إذ استطاع الرئيس الأمريكي “روزفلت” أن يوظّف ذلك من خلال برنامج “أحاديث إلى جانب المدفئة” قصد التأثير على الناخبين واستمالة أصواتهم وكل ذلك كان يتم بعيداً عن الزمن الانتخابي. 
بيْد أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تطور لدرجة استحالةِ التواصل مع الجماهير دون الاعتماد على خبراء متخصصين في هذا المجال. وقد برز ذلك بشكل جلي سنة 1952 وارتبط بشخص “إيزنهاور” الذي لجأ لمكتب دراسات متخصص في العلاقات العامة، حيث استعان آنذاك بخبيريْن “ريفرجونيور” و”توماس روسر” اقترحا عليه اختيار مواطن من كل ولاية يطرح عليه سؤالا ويجيبه وقد أحدث ذلك تأثيرا كبيرا على مستوى التواصل السياسي. 
وقد تطورت عملية التواصل السياسي لتنصَبّ على الوصلات الإشهارية السلبية، ثم المقابلات التلفزية التي تعود لصاحبها “بيير سالينجر”، لم يكن كل هذا سدّاً منيعاً أمام تطور عملية التواصل السياسي، بل امتد إلى توظيف تقنيات أخرى من قبيل استطلاعات الرأي وتقنيات الصورة والاستدلال بالأرقام والمعطيات والإحصائيات. 
نضع كل هذا جانباً، وننطلق في البحث عن معنى التواصل السياسي؛ إذ لا مناص من استحضار مفهوم هذا الأخير وغايته. وعليه، فإن عملية التواصل السياسي يهدف من خلالها رجُل السياسة إلى إنتاج خطاب سياسي غايته الحصول على أصوات الناخبين، ولكي يكون هذا الخطاب ناجعا يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط أبرزها: 
 1- أن يكون خطابا بسيطا يفهمه كافة المتلقين؛
 2- أن يكون متضمنا لفكرة واحدة؛
 3- أن يكون قصيرا من حيث المدة الزمنية؛
 4- أن يحترم الثقافة الجماهيرية؛
 5- أن يلامس أحاسيس المتلقين. 
غير أن عملية التواصل السياسي لا تنحصر في شكل وماهية الخطاب السياسي، وإنما تتعداه إلى عناصر أخرى تخص هيئة رجل السياسة في مظهره، تناسق ملابسه، أناقته، تصفيفة شعره.. وبعضها الآخر يرتبط بالكيفية التي يتفاعل بها مع الجماهير (حركات اليد، تعبيرات الوجه، نبرة الصوت…) أي ما يسمّيه غوستاف لوبون “بالهيبة الشخصية” كصفة أساسية ينبغي أن يمتلكها الزعيم السياسي. 
في المقابل، نجد البعض الآخر يهتم باستعمال جل التقنيات الحديثة في مجال الصورة من خلال وسائل كالتلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي… هذا العنصر يعد جوهر العملية التواصلية للفاعل السياسي تُسخّر له في مجموعة من التجارب عديد من الإمكانيات المادية والبشرية سبق وأن تطرقنا إلى جزء منها في النموذج الأمريكي. 
دون أن نذهب بعيدا عن ذلك، لا بد من القول إنّ التواصل السياسي إذا بحثنا عن جذوره في التاريخ السياسي المغربي سنجد له صدى برز مع مجموعة من الخطابات من قبل رموز الحركة الوطنية المغربية على سبيل المثال نذكر خطاب الملك محمد الخامس (خطاب طنجة 1947)، ونداء القاهرة الذي ألقاه علال الفاسي سنة 1953 وخطابات محمد بن عبد الكريم الخطابي على موجة راديو الإذاعة بعد أن كان يعتمد على الرسائل المكتوبة للقبائل إبان مقاومته المسلحة.. وقِسْ على ذلك الزعماء السياسيين الذين تمكنوا من إتقان فن الخطابة ووظفوه في تواصلهم مع الجماهير؛ يبقى أبرزهم عبد الرحيم بوعبيد. 
إن استيعاب أهمية التواصل وسط الحقل السياسي المغربي ظلت مهزوزة إلى أن برز شخص تواصليٌّ بامتياز مثل عبد الإله بن كيران، إذ شكلت خرجات هذا الأخير منعطفا أثّر إلى حد ما على الأحزاب السياسية المغربية وحتّم عليها الاتجاه في اختيار شخصيات لها بروفايل مماثل قادر على حشد الجماهير والتأثير فيها. 
وتشكل الخرجات الأخيرة لبعض الزعماء السياسيين دلالة قاطعة على الرغبة في استلهام أسلوب مغاير سيراً على نهج الدول الديمقراطية، بمثابة قطيعة مع الأساليب السابقة المتمثلة في تضليل الناخبين عن طريق المال أو الإطعام الجماعي.. 
بغض النظر عن كل ما سبق، تبقى الحاجة إلى عقلنة التواصل السياسي ضرورة حتمية، بيد أن العقلنة بدورها لا يمكن أن تتم خارج غطاء الإلتزام بالقواعد الديمقراطية وارتفاع منسوب الثقافة السياسية والبرهنة والأرقام والإحصائيات. 
بين كل هذا وذاك، يبقى السؤال المحوري لقياس عملية التواصل السياسي يفرض نفسه بامتياز كلما سنحت الفرصة لذلك متمثلا في مايلي: هل بالفعل يمتلك رجُل السياسة القدرة على تفعيل كل آليات التواصل والتحكم في رغبات الناخبين؟