الحظ في بقايا الطعام

كثير منا يشتكي قلة الحظ وكثرة الهموم وثقلها، بل ويعتبرها السبب الرئيسي وراء كل ثغرات حياته. ويقولون من معه الحظ كانت حياته ميسرة، سهلة وسلسة. أما عديمو الحظ فلا سعادة لهم أبدا، و حياتهم عبارة عن مجموعة من المشاكل والمصائب المتراكمة. وأنا أقول لكل مجتهد نصيب، والأمثلة حولنا كافية لإثبات ذلك.
حقيقة، يمكن أن يضيف الحظ لمسة جميلة، لكن لا يُعوَّل عليه البتة. فالشيء الصحيح والثابت هو العمل لأنه لا يمكننا أبدا بلوغ النجاحات بالنوم والراحة والإعتماد على الحظ، لأن من تَعجَّل الراحةَ بكسله فلا راحة له، فالنجاح عُدة وحسابات .. إدارةّ للموارد والطاقات ونفس طويل .. ورُوح تعتصم بحبل الله وتتوكل عليه لا تتواكل؛ ولنا في قصة فتح القسطنطينية دليل واضح على أن محمدا الفاتح بلغ ذروته وأصبح قائدا بالعمل والسهر والمثابرة، فتمكن من اللغات منها العربية والفارسية واليونانية والصربية لكي يتمكن من دراسة كل المخططات الحربية، ومكث يدرس و يتعلم حتى حقق حلمه وهو إبن الحادية والعشرين عاما، وترك العالم فرِحا بإنجازه العظيم.
إن المتأمل في ماضي المذيعة الأمريكية الشهيرة والمبدعة أوبرا وينفري لابد أن يخالجه شكٌْ في إمكانية أن تحقق ما هي عليه اليوم من تفوق وتألق، لكن العوائق والعقبات لم تكن لتصمد أمام عزمها وإرادتها الفذة وهي تشق طريقها من نجاح إلى نجاح؛ فقد تعلمت منذ طفولتها كيف تواجه هذه الحياة المعقدة بِهمَمٍ عالية وأن تتبع نور قلبها وفطرتها وكرم سريرتها .. وهي التي ألقت خطابا وَجَّهته للجمهور تقول فيه أن العلم هو السبيل إلى هز الجبال .. إلى مد الجسور .. إلى تغيير العالم ….أنا أؤمن بأن العلم هو الحرية الحقة. إنها تؤكد على أنه مفتاح النجاح ولم تأتِ على لسانها كلمة حظ. وأظن اليوم أن أمتنا العربية والإسلامية تعتمد وبشكل كبير عليه .. ورُبما نجد من يعزو حالنا اليوم إلى قلة الحظ. 
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو كيف ستظهر هذه الأمة على صفحة الحياة وهي التي اختفت كالزبد الذي تصنعه الأمواج في عراكها الدائم مع الرياح .. فلن تُحَل المعادلات مادامت كتب الخوارزمي مرکونة على الأرفف، ولن تُشفى أمراضنا بكُتب ابن سينا و ابن النفيس ما لم يكن هناك جيل يسعى بكل ما أوتي من قوة ليتمم مشوار عظماء التاريخ .. و لن تحافظ ذرات البيروني على تماسكها وكثافتها وقوامها لتكون أشبه بشوربة أكثر ميوعة وشعشعة إن لم يَنْسق هذا الجيل نحو العمل الجاد ليبدأ مما انتهى إليه هذا العالِم الذي طَبع اسمه في مجال الفيزياء بمجد وعطاء. إن كل من اتكأ على عصاة العلم كانت هذه الأخيرة خير دليل ورفيق له حتى يبلغ نجاحه البهي، و من اعتمد على حظه ولم ينفض عنه غبار التكاسل نجده أينما حل وارتحل ساكنا في مكانه، لن يستطيع تجاوز عقباته المتتالية ذلك لأنه استبدل الأساسي بالثانوي. 
ولنا في حكمة النمل آيات تأخذنا للاقتداء بها في حياتنا. أتذكرُ ذات مرة وجدتُ نملة تمشي وتحمل شيئا أكبر منها فبدأتُ أسد عليها طريقها فلم تتحطم النملة أبدا بل بدأت تشق طريقا آخر.. فسددتُ الطريق الآخر فوجدتْ طريقا ثالثا… من هنا أُعجبت بها و ضربت بها المثل في الصبر والعمل الدؤوب ومعرفة الهدف والإصرار العجيب على الانضباط. إن النجاح الحقيقي يحتاج لتَحدٍّ عميق وعقلية لن تتقاعس وفِكر نَيِّر لن يغرق في مستنقعات ”بلا حظ“ ..لأنه لا يوجد مجال لضرب الأكف والتباكي و الشكوى .. فلنكن من الذين بذلوا الغالي والنفيس من جهد ووقت ومال وتشبثوا بالصبر إلى نهاية الرحلة وكان التوكل على الله شعارهم لأجل حلم نراه نحن قريبا ويراه أولئك الذين يؤمنون بالحظ مستحيلا ،فيقفون على الأطلال راثين أحلامهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *