معرض الكتاب في بلد الأوراق

ذات صباح من أيام فبراير، وَطِئت قدمايَ مدينة الدار البيضاء، جوٌّ غائم ورومانسي لا يليق بمدينةٍ ارتَبطت في الذاكرة الجماعية للمغاربة بالصخب والهرج. ما إنْ تغادر محطة القطار حتى يستقبلكَ سائقو سيارات الأجرة بصرختهم الأبدية ”طاكسييي.. المعْريييضْ”. 
أروقة المعرض مُقفِرة، هكذا هم المغاربة. لا يجدون فضيلة في زيارة معرض الكتاب صباحاً، حتى لو حلّ موعد الساعة قد لا يتورّعون في طلب تأجيله لما بعد الظهر. 
دلفتُ بالصدفة إلى قاعة مخصصة للأطفال. “كتاكيتٌ” يمْرَحون هنا وهناك، في بلدٍ تضيع فيه كل الفضائل، لعبة بحجم الذرة تتداعى معها عظمة الكتب. الشامخةُ على صِغَر سنّها، مريم أمجون، تتوسّط الحضور، عيونها كالمَوشور يعكس موجات الأمل في مغربٍ قارئ وأفضل. أمها تمشط كل جزء من القاعة بعدسة كاميراتها، لمْ أرَ هذا البريق سوى في عيون الأم المغربية عندما تُسَلِّمُ لؤلؤتها لمولاي السلطان في اليوم الموعود. تحيّنتُ الفرصة وسألتُ أباها: “ألا تخشى على مريم أن تُفقدها مرحلةُ المراهقة شغفَ القراءة؟” فأجاب بثقة مَن له مشروعية الأرض والسماء في أن يَحْمِل لقب ‘مُربي الأجيال’: “يقول عبد الرحمان الغندور: مَن يقرأ لا يتبلطج ولا يتشَمْكر”. 
في ركن قصِيٍّ من المعرض، تلاميذٌ من مختلف مناطق المغرب يستمعون بخشوع لأبجديات حقوق الإنسان، في ندوة من تأطير أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان. في سؤال لها عن جدوى إقرار حقوق للطفل، أجاب شاب بكل عفوية: ”قبل أيام، انتحر طفل بسبب سوء معاملة زوجة أبيه، في المغرب ماكاينشْ الحقوق كايْن غيرْ الوْراق”، بدا اليافع كـعَدَمِيّ سَلبي (nihiliste passif)، لكن سِهام نظرات الإعجاب اخترقته من كل مكان. نحن لسنا البلد الذي يمشي بسرعتيْن أو بلداً في طريق النمو، نحن “بلد الأوراق”، الاسم أكثر سخرية ورومانسية.. 
مع منتصف النهار، بدأت جحافل الزائرين “تغزو” أروقة المعرض، لم تَعُد هناك فرصة لتفحص الكتب في جو من الحميميّة. تباينت دوافع المتقاطرين على أروقة المعرض، لا قدرة خارقة لي على إدراك سريرة وباطن كل شخص ولكن العيون توحي بكل شيء؛ البعضُ، يقيناً، جاء للظفر بغنيمة من الكنوز الورقية وللقاء كُتابه المفضلين، آخرون أتَوْا في إطار رحلة مدرسية أو لمرافقة قريب لهم أما البقية فلا يعرفون أصلاً سبب تواجدهم في هذا المكان. 
مُقارنةُ الأعداد الكبيرة لزُوَّارِ معرض الكتاب ومعدل القراءة في المغرب قد تفضي لتأملات وجودية تنتهي بحُمق صاحبها، ما يصرفه الكثيرون للتنقل لمدينة الدارالبيضاء لزيارة المعرض يتجاوز ميزانيتهم المخصصة لشراء الكتُب طوال العام. 
قد يكون انزلاقاً خطيراً أن تتحول زيارة المعرض الدولي للكتاب من مناسبة لاقتناء الكتب والاطلاع على آخِر الإصدارات والالتقاء بكبار الكُتَّاب إلى “عُرس سنوي” للتبجُّح بثقافة لا يَمتلكها مُدَّعِيها، وسُلوكٍ لا يُربّي الناشئة على حب المطالعة، لكن يبيع لهم الوهم ويُداري واقع المكتبات المزري في المؤسسات العمومية وشحّ المبادرات الرامية إلی تشجيع القراءة. البلد يحتاج الآلاف من أمثال مريم أمجون، وهذا لن يتحقق سوى بإرادة المجتمع وإدماج مخططات لنشر ثقافة القراءة في السياسات العمومية. 
بعيداً عن هذا القوس حول بلدٍ محبوب لكنّه مأسوفٌ على حاله، اغتنمتُ زيارتي لاقتناء مؤلفات الكبير “أحمد خالد توفيق” رحمة الله علیه، حملتُ كتبي وتأملاتي وانطباعاتي، وعُدت مبتهجًا للرباط كالبطّة فخوراً. اطّلعتُ على برنامج الغد، عبد الكريم الجويطي من بين المَدعُوِّين؛ الأمرُ صادم، لكن لا بأس. 
ألَمْ يقُل مُبدع تحفة “المغاربة” نفسُه: “لا شيء يبقى سوى المَرارات”.. خصوصاً في بلد الأوراق!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *